والضلال الذي تهرب العقول منه ، وتنفر الطباع السليمة عنه ، فليس يمتنع أن يكون ما نقله اليهود عن آبائهم أيضًا بهذه الصفة.
فلما علمتُ أن اليهود لهم أسوة بغيرهم فيما نقلوه عن الآباء والأسلاف علمت أنه ليس بأيديهم حجة صحيحة بنبوة موسى إلا شهادة التواتر ، وهذا التواتر موجود بعيسى ومحمد ، كوجوده لموسى عليهم السلام أجمعين ،
فإن كان التواتر يفيد تصديقًا ، فالثلاثة صادقون ونبوتهم معًا صحيحة.
وعلمت أيضًا أنى لم أر موسى بعينى ، ولم أشاهد معجزاته ، ولا معجزات غيره
من الأنبياء ، عليهم السلام ، ولولا النقل وتقليد الناقلين ، لما عرفنا شيئًا من ذلك ، فعلمت أنه لا يجوز للعاقل أن يصدق بواحد ويكذِّب واحدًا من هؤلاء الأنبياء ، عليهم السلام ، لأنه لم ير أحدهم ولا شاهد أحواله إلا بالنقل ، وشهادة التواتر موجودة لثلاثتهم.
فليس من العقل ، ولا من الحكمة أن يصدق أحدهم ويكذب الباقون ، بل
الواجب عقلاً إما تصديق الكل وإما تكذيب الكل ، فأما تكذيب الكل ،
فإن العقل لا يوجبه أيضًا ، لانأ إنما نجدهم أتوا بمكارم الأخلاق وندبوا إلى
الفضائل ، ونهوا عن الرذائل ، ولأنَّا نجدهم ساسوا العالم سياسة بها صلاح
حال أهله. فصحَّ عندي بالدليل القاطع نبوة المسيح والمصطفى عليهما السلام ، وآمنت بهما.
فمكثتُ برهةً أعتقد ذلك من غير أن ألتزم الفرائض الإسلامية ، مراقبة لأبي ،
وذلك أنه كان شديد الحب لي ، قليل الصبر عني ، كثير البرّ بي ، وكان قد أحسن تربيتي ، إذ شغلني منذ أوَّل حداثتي بالعلوم البرهانية ، وربى ذهني وخاطري في الحساب والهندسة العلمين اللذين مدح أفلاطون عقل من يتربى ذهنه في النظر فيهما.
فمكثت مدة طويلة لا يفتح عليَّ وجه الهداية ، ولا تنحل عنى هذه الشبهة ،
وهي مراقبة أبي ، إلى أن حالت الأسفار بينى وبينه ، وبعدت داري عن داره ،
وأنا مقيم على مراقبته ، وألتزم من أن أفجعه بنفسي ، وحان وقت الهداية ،