الفنون العلمية ، فشاهدت المعجزة التي لا تباريها الفصاحة الآدمية في القرآن ، فعلمت صحة إعجازه.
ثم إنى لما هَذَّبَتْ خاطرى العلوم الرياضية ، ولا سيما الهندسة وبراهينها ،
راجعت نفسي في اختلاف الناس في الأديان والمذاهب.
وكان أكبر المحركات لي إلى البحث عن ذلك مطالعتى كتاب برزويه الطبيب
من كتاب"كليلة ودمنة"، وما وجدت فيه ، فعلمت أن العقل حاكم يجب تحكيمه على كليات أمور عالمنا هذا ، إذ لولا العقل . أرشدنا إلى اتباع الأنبياء والرسل ، وتصديق المشايخ والسلف ، لما صدقناهم في سائر ما نقلنا عنهم.
وعلمت أنه إذا كان أصل التمسك بالمذهب الموروث عن السلف ، وأصل
اتباع الأنبياء ، مما دعا إليه العقل ، فإن تحكيم العقل على كليات جميع ذلك
واجبٌ ، وإذا نحن حكمنا بالعقل على ما نقلناه عن الآباء والأجداد ، علمنا أن النقل عن السلف ليس يوجب العقل قبوله ، من غير امتحان لصحته ، بل
بمجرد كونه مأخوذًا عن السلف ، لكن من أجل أنه يكون أمرًا حقيقة
في ذاته ، والحجة موجودة بصحته.
فأما الأبوة والسلفية وحدها ، فليست حجة إذ لو كانت حجة ، لكانت أيضًا
حجة لسائر الخصوم الكفار ، كالنصارى ، فإنهم نقلوا عن أسلافهم أن عيسى ابن الله ، وأنه الرازق المانع الضار النافع .
فإن كان تقليد الآباء والأسلاف يدل على صحة ما ينقل عنهم ، فإن ذلك يلزم منه الإقرار بصحة مقالة النصارى ، ومقالة المجوس ، وإن كان هذا التقليد لأسلاف اليهود خاصة - دون غيرهم - من الأمم - فلا يقبل منهم ذلك ، إلا أن يأتوا بدليل على أن أباءهم وأسلافهم كانوا أعقل من آباء الأمم الأخرى وأسلافهم .
فإن ادعت اليهود ذلك في حق آبائها وأسلافها ، فجميع أخبار أسلافهم ناطقة بتكذيبهم في ذلك.
وإذا طلبنا التعصب منهم ، فنحن نجعل لآبائهم أسوة بسائر آباء غيرهم من
الأمم ، فإذا كانت آباء النصارى وغيرهم قد نقلوا عن آبائهم الكفر