وأيضًا: ففى هذه الحكاية دقيقة ملزمة بالنسخ ، وهي أن يهوذا لما أخبر بأن كفته قد علقت من الزنا أفتى بإحراقها ، فبعثت إليه بخاتمه وعصاه ، وقالت: من ، رب هذين أنا حامل. فقال: صدقت منى ذلك. واعتذر بأنه لم يعرفها ، ولم يعاودها.
وهذا يدل على أن شريعة ذلك الزمان كانت مقتضية إحراق الزواني ، وأن التوراة أتت بنسخ ذلك ، وأوجبت الرجم عليهن.
وفيه أيضًا: نسبتهم الزنا والكفر إلى بيت النبوة ، ما يقارب ما نسبوه إلى لوط النبي عليه السلام ، وهذا كله عندهم في نصِّ كتابهم ، وهم يجعلون هذا نسبًا لداود وسليمان ، ولمسيحهم المنتظر!.
ثم يرون أن المسلمين أحق بهذا اللقب من منتظرهم ، وكذبهم في هذا القول
من أظهر الأمور وأبينها.
فأما دفعهم لإعجاز القرآن للفصحاء ، فلست أعجب منه ، إذ كانوا
لا يعرفون من العربية ما يفرقون به بين الفصاحة والعى ، مع طول مكثهم فيما بين المسلمين!
وأيضًا: فمن اعتراضهم على المسلمين أنهم يقولون: كيف يجوز أن ينسب إلى الله كتاب ينقض بعضه بعضًا ؟!..
يريدون بذلك: ينسخ بعضه بعضًا.
فنقول لهم: أما تحسين جواز ذلك ، فقد ذكرناه في أول هذه الكلمة ، وأما
تعجبكم منه وتشنيعكم به ، فإن كتابكم غير خال من مثله.
فإن أنكروا ذلك ، قلنا لهم: ما تقولون في السبت ، أيما أقدم ، افتراضها
عليكم ، أو افتراض الصوم الأكبر ؟!
فيقولون: السبت أقدم. لأنهم إن قالوا: الصوم أقدم. كذبناهم بأن السبت
فرضت عليهم في أول إعطائهم المنَّ ، والصوم الأكبر فرض عليهم بعد نزول
اللوحين ، ومخالفتهم وعبادتهم العجل ، ولما رفع عنهم عقاب ذنبهم ذلك في هذا اليوم ، ففرض عليهم صومه وتعظيمه.
فإذا أقروا بتقدم السبت. قلنا لهم: ما تقولون في يوم السبت ، هل فرضت فيه عليكم الراحة والدعة وتحريم المشقات أم لا ، فيقولون بلى.