وخرَّج الزمخشري التعذيبين: الدنيوي، والأخروي في كلامه، وأشرب تفسير الآية بشيء من مذهبه الاعتزالي، وحرف التركيب القرآني على عادته، فقال: إن صح أنكم أبناء الله وأحباؤه، فلم تذنبون وتعذبون بذنوبكم فتمسخون، وتمسكم النار في أيام معدودات على زعمكم؟ ولو كنتم أبناء الله لكنتم من جنس الأب غير فاعلين للقبائح، ولا مستوجبين للعذاب.
ولو كنتم أحباءه لما عصيتموه، ولما عاقبكم انتهى.
ويظهر من قوله: ولو كنتم أحباءه لما عصيتموه، أن يكون أحباؤه جمع حبيب بمعنى محب، لأن المحب لا يعصي من يحبه، بخلاف المحبوب فإنه كثيراً ما يعصي محبه.
وقال القشيري: البنوّة تقتضي المحبة، والحق منزه عنها، والمحبة التي بين المتجانسين تقتضي الاختلاط والمؤانسة، والحق مقدس عن ذلك، والمخلوق لا يصلح أن يكون بعضاً للقديم، والقديم لا بعض له، لأن الأحدية حقه، وإذا لم يكن له عدد لم يجز أن يكون له ولد، وإذا لم يكن له ولد لم يجز على الوجه الذي اعتقدوه أن بينهم وبينه محبة.
{بل أنتم بشر ممن خلق} أضرب عن الاستدلال من غير إبطال له إلى استدلال آخر من ثبوت كونهم بشراً من بعض من خلق، فهم مساوون لغيرهم في البشرية والحدوث، وهما يمنعان البنوة.
فإنّ القديم لا يلد بشراً، والأب لا يخلق ابنه، فامتنع بهذين الوجهين البنوة، وامتنع بتعذيبهم أن يكونوا أحباء الله، فبطل الوصفان اللذان ادعوهما.
{يغفر لمن يشاء} أي يهديه للإيمان فيغفر له.
{ويعذب من يشاء} أي يورطه في الكفر فيعذبه، أو يغفر لمن يشاء وهم أهل الطاعة، ويعذب من يشاء وهم العصاة.
قاله الزمخشري.
وفيه شيء من دسيسة الاعتزال، لأنّ من العصاة عندنا من لا يعذبه الله تعالى بل يغفر له.
وقيل: المعنى أنه ليس لأحد عليه حق يوجب أن يغفر له، أو يمنعه أن يعذبه، ولذلك عقبه بقوله:
{ولله ملك السماوات والأرض وما بينهما} فله التصرف التام يفعل ما يشاء لا معقب لحكمه.
{وإليه المصير} أي الرجوع بالحشر والمعاد. انتهى انتهى. {البحر المحيط حـ 3 صـ}