وأراد عمر بقوله: (فينا) نفسَه، ومن كان مثله في الولاية من ولاة الأمور، وبقوله: (فيهم) جلساء الولاة والمترددين إليهم، وحال الولاة وأصحابهم على خلاف ذلك.
وروى ابن المنذر، والبيهقي عن سفيان قال: قال رجل لمالك ابن المِغْوَل رحمه الله تعالى: اتق الله، فسقط، فوضع خده على الأرض؛ تواضعاً لله تعالى.
* تنبِيهٌ:
فَهِمَ عمر، وعلي، وابن عباس - رضي الله عنهما - وناهيك بهم رؤوس العلم - من قوله تعالى: {وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ} [سورة البقرة: 207] ، أي: يبيع نفسه بعد قوله عز وجل: {وَإِذَا قِيلَ لَهُ اتَّقِ اللَّهَ أَخَذَتْهُ الْعِزَّةُ بِالْإِثْمِ} [سورة البقرة: 206] ، أن الناس ما دام فيهم من يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر مخلصاً لله تعالى يختلفون، ويقتتلون على الحق، وهو كذلك.
فروى عبد بن حميد عن عكرمة: أن عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه كان إذا تلا هذه الآية: {وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ} [سورة البقرة: 204] إلى قوله: {وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ} [سورة البقرة: 207] قال: اقتتل الرجلان.
وروى هو والبخاري في"تاريخه"، وابن جرير، وابن أبي حاتم عن علي بن أبي طالب رضي الله تعالى عنه: أنه قرأ هذه الآية فقال: اقتتلا وربِّ الكعبة.
وروى عبد بن حميد]، وابن جرير عن صالح أبي الخليل قال: سمع عمر رضي الله تعالى عنه إنسانا يقرأ هذه الآية: {وَإِذَا قِيلَ لَهُ اتَّقِ اللَّهَ} [سورة البقرة: 206] إلى قوله: {وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ} [سورة البقرة: 207] ، فاسترجع، قال: إنا لله وإنا إليه راجعون؛ قام الرجل يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر، فقتل.
وروى ابن جرير عن ابن زيد رحمه الله تعالى: أن ابن عباس قرأ هذه الآية عن عمر رضي الله تعالى عنهم فقال: اقتتل الرجال، فقال له عمر: ماذا؟
فقال: يا أمير المؤمنين! أرى ها هنا من إذا أمر بتقوى الله أخذته
العزة بالإثم، وأرى من يَشْري نفسه ابتغاء مرضاة الله؛ يقوم هذا فيأمر هذا بتقوى الله، فإذا لم يقبل وأخذته العزة بالإثم، قال هذا: وأنا أشري نفسي، فقاتله.