{وَقَالَتْ طَّآئِفَةٌ مِّنْ أَهْلِ الْكِتَابِ آمِنُواْ بِالَّذِي أُنْزِلَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُواْ وَجْهَ النَّهَارِ وَاكْفُرُوا آخِرَهُ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ} [آل عمران: 72]
هم إذن يقصدون الفتنة بإظهار الإيمان ثم أعلانهم الكفر وفي ذلك تشكيك للمسلمين ، ويكون مصير مَن تردّدَ بَيْنَ الإيمان والكفر ، وكان عاقبة أمرهم أنهم ازدادوا كفرا يكون مصيرهم ما جاء في قوله: {لَّمْ يَكُنِ اللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ وَلاَ لِيَهْدِيَهُمْ سَبِيلاً} فهم قد دخلوا في الخيانة العظمى الإيمانية التي يحكمها قوله الحق:
{إِنَّ اللَّهَ لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَآءُ} [النساء: 48]
ويقول الحق عنهم هنا: {لَّمْ يَكُنِ اللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ وَلاَ لِيَهْدِيَهُمْ سَبِيلاً} . والهداية - كما نعلم - ترد بمعانٍ متعددة.. فقد يكون المقصود منها الدلالة ، فإن شئت تدخل الإيمان وإن شئت لا ، ولا شأن لأحد بك. والمعنى الثاني هو المعونة ، أي يقدم لك الله ما يهديك بالفعل. وعندما تعرض القرآن لهذه المسألة قال:
{وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْنَاهُمْ فَاسْتَحَبُّواْ الْعَمَى عَلَى الْهُدَى فَأَخَذَتْهُمْ صَاعِقَةُ الْعَذَابِ الْهُونِ بِمَا كَانُواْ يَكْسِبُونَ} [فصلت: 17]
فسبحانه هنا قد دلهم على الهداية ، ولم يقدم لهم الهداية الفعلية لأنهم استحبوا العمى على الهدى ، فكأن الله قد دل على المنهج الذي يوصل الخير والبر لكل الناس ، فمن أقبل بإيمان فالحق يمده بهداية المعونة ويعاونه على ازدياد الهدى ، مصداقاً لقوله:
{إِنَّهُمْ فِتْيَةٌ آمَنُواْ بِرَبِّهِمْ وَزِدْنَاهُمْ هُدًى} [الكهف: 13]