ومعنى النص على القراءة الأولى وَإِنْ تَلْوُوا في الحكم أو في الشهادة بأن تحكموا بغير الحق، أو تشهدوا بغير الحق، أو تحرفوه، أو توجهوا الكلام إلى غير وجهته في الشهادة بأن تظهروا في الكلام معنى، وتُعَرِّضوا بغيره قاصدين له لكيلا تكون الشهادة على وجهها، فإن كل هذا لَيٌّ للكلام، إذ لَيُّ الكلام تحريفه وتوجيهه إلى غير وجهته السليمة، وذلك يشمل قول الباطل والحكم به، وتلوية مقاصد القول وإبهامه، والإعراض معناه الامتناع المطلق عن الشهادة أو الحكم، وجواب الشرط هو التهديد الشديد بالعذاب الأليم، تضمنه قوله سبحانه: (فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلًونَ خَبِيرًا) .
أي أن علم الله المستمر الذي يعلم به دقائق الأشياء والنفوس وخفاياها قائم على أعمالكم وقلوبكم، وظواهركم وبواطنكم فاحذروه. اللهم اجعلنا من القوامين بالقسط، الشهداء بالحق، الذين لَا يتبعون الهوى، ولكن يعدلون في أنفسهم وذويهم وأهليهم، وما وُلُّوا.
(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي نَزَّلَ عَلَى رَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي أَنْزَلَ مِنْ قَبْلُ وَمَنْ يَكْفُرْ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا بَعِيدًا(136)
في الآيات السابقة كان الأمر بالعدالة في خاصة الأسرة، وانتهى الكلام إلى الأمر العام بالعدالة مع العدو ومع الولي، ومع الغني ومع الفقير. ومع الأقربين من ذوي القرابة، ومع الغرباء، وبذلك أثبت الكتاب الكريم أن العدالة خاصة الإسلام، ولازمة من لوازمه، ولا تتحقق معاني الإسلام إلا مع العدالة، وإنها قرينة الإيمان، لَا تفترق عنه، ولا تنفصل، ولذلك قرن الأمر بالعدالة بالأمر بأركان الإيمان كلها، فقال سبحانه: