وهذه العلوم التي أعطاهم الله، لو بنيت على الإيمان، لأثمرت الرقي العالي، والحياة الطيبة.
ولكن لما بني كثير منها على الإلحاد والمقاصد السيئة لم تثمر إلا هبوط الأخلاق، وأسباب الفناء والتدمير، فما أتعسهم وأشقاهم في الدنيا والآخرة.
فهؤلاء الذين: {يَعْلَمُونَ ظَاهِرًا مِنَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ عَنِ الْآخِرَةِ هُمْ غَافِلُونَ (7) } [الروم: 7] .
وظاهر الحياة الدنيا محدود صغير مهما بدا للناس واسعاً شاملاً، والحياة كلها طرف صغير من هذا الوجود الهائل العظيم.
والذي لا يتصل قلبه بخالق هذا الوجود، ولا يتصل حسه بالسنن الإلهية التي تصرفه يظل ينظر وكأنه لا يرى، ويبصر الشكل الظاهر والحركة الدائرة ولكنه لا يدرك حكمته، ولا يرى مصرفه، وينشغل بالمخلوق عن الخالق، وأكثر الناس كذلك: {صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لَا يَرْجِعُونَ (18) } [البقرة: 18] .
لأن الإيمان الحق هو وحده الي يصل ظاهر الحياة بأسرار الوجود، وهو الذي يمنح العلم روحه الذي به يدرك ويعرف خالق الوجود.
والمؤمنون هذا الإيمان قلة في مجموع الناس، ومن ثم تظل الأكثرية محجوبة عن معرفة الحق: {وَعْدَ اللَّهِ لَا يُخْلِفُ اللَّهُ وَعْدَهُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ (6) يَعْلَمُونَ ظَاهِرًا مِنَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ عَنِ الْآخِرَةِ هُمْ غَافِلُونَ (7) } [الروم: 6، 7] .
فالدنيا صفحة من صفحات الكون الكثيرة، والآخرة حلقة في سلسلة النشأة، وصفحة أخرى من الوجود، والذين لا يدركون حكمة النشأة ولا يعلمون صفحات الوجود، يغفلون عن الآخرة، ولا يحسبون حسابها ولا يعرفون أنها صفحة في كتاب الوجود ونقطة في خط سير الوجود لا بد أن يمر بها الإنسان.
والغفلة عن الآخرة تجعل كل المقاييس والموازين، والأفكار والأعمال تختل عند هؤلاء الغافلين، فلا يملكون تصور الحياة وأحداثها وقيمها تصوراً صحيحاً، ويظل علمهم بها ظاهراً سطحياً ناقصاً، لأن حساب الآخرة في نظر الإنسان، يغير نظرته لكل ما يقع في هذه الأرض.