فحياة الإنسان في الأرض إن هي إلا مرحلة قصيرة من رحلته الطويلة في الكون، حيث كان في صلب أبيه، ثم خرج إلى بطن أمه، ثم خرج إلى الأرض، ثم ينزل إلى القبر، ثم يخرج في النهاية إلى دار القرار في الجنة أو النار ..
ونصيبه في هذه الأرض إن هو إلا قدر زهيد من نصيبه الضخم في الوجود، والأحداث التي تحصل في هذه الأرض إن هي إلا فصل قصير من كتاب كبير.
إن المسلم والكافر كلاهما قادم إلى تلك الدار الآخرة، ولكن المؤمن مستعد لها لمعرفته بها، والكافر غير مستعد لها، لأنه لا يؤمن بها.
ومن هنا لا يلتقي إنسان يؤمن بالآخرة ويحسب حسابها، مع آخر يعيش لهذه الدنيا وحدها ولا ينظر ما وراءها.
فلكل منهما ميزان، ولكل منها خط، ولكل منهما اتجاه، ولكل منهما جزاء.
هذا يرى ظاهراً من الحياة الدنيا، وذاك يدرك ما وراء الظاهر:
يرى المخلوق ويتجاوزه إلى الخالق .. ويرى الصور ويتجاوزها إلى المصور .. ويدرك أن هذا الكون يسير بسنن لا تتبدل بأمر وإذن من رب العالمين .. سنن شاملة للظاهر والباطن .. والغيب والشهادة .. والدنيا والآخرة .. والحياة والموت .. والثواب والعقاب.
وهذا هو الأفق البعيد الواسع الشامل الذي ينقل الإسلام البشرية إليه، ويرفعها
به إلى المكان الكريم اللائق بها في الدنيا والآخرة.
فهذا الكون كله قائم على الحق، يسير وفق السنن الربانية.
ومن مقتضيات هذا الحق الذي يقوم عليه الوجود أن تكون هناك آخرة يتم فيها الجزاء على العمل، ويلقى أهل الخير والشر عاقبتهما فيها كاملة، وإنما كل شيء له أجل مرسوم يسير وفق حكمة مدبرة، وكل شيء يجيء في موعده لا يتقدم لحظة ولا يتأخر.
وإذا لم يعلم البشر متى تقوم الساعة فإن هذا ليس معناه أنها لا تكون، ولكن تأجيلها يغري الذين لا يعلمون إلا ظاهراً من الحياة الدنيا ويخدعهم.
فماذا ينتظر هؤلاء من العذاب والعقاب؟.
{إِنَّ الَّذِينَ لَا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا وَرَضُوا بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاطْمَأَنُّوا بِهَا وَالَّذِينَ هُمْ عَنْ آيَاتِنَا غَافِلُونَ (7) أُولَئِكَ مَأْوَاهُمُ النَّارُ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ (8) } [يونس: 7، 8] .