والإيمان بالغيب هو العتبة التي يجتازها الإنسان، فيتجاوز مرتبة الحيوان الذي لا يدرك إلا ما تدركه الحواس إلى مرتبة الإنسان الذي يدرك أن الوجود أكبر وأشمل من ذلك الحيز الصغير الذي تدركه الحواس.
ويدرك ما وراء الكون من قدرة وقوة وتدبير وتصريف.
ويدرك أن هذا الكون ظاهره وخفيه لا يساوي ذرة في ملك خالقه، الذي لا تدركه الأبصار، ولا تحيط به العقول.
فالغيب لا تدركه العقول ولا تحيط به، لأن العقل أداة لم تخلق لمعرفة ذلك، فالمحدود لا يدرك المطلق.
وعدم إدراك المجهول لا ينفي وجوده في الغيب المكنون.
فعلى الإنسان أن يكل الغيب إلى طاقة أخرى غير طاقة العقل، وأن يتلقى العلم من العليم الخبير الذي يحيط بالظاهر والباطن، ويعلم الغيب والشهادة.
والله وحده عالم الغيب والشهادة، أم الإنسان فمجال نشاطه عالم الشهادة، لكن الله تعالى أطلعه على قدر من عالم الغيب، يوسع دائرة وعيه وعلمه، ويميزه به عن غيره، ويحتاجه في مصالح دينه ودنياه وأخراه.
فأرسل الله الرسل يأمرون الناس بعبادة الله وحده لا شرك له، وترك عبادة ما
سواه، ونقل القدر المناسب من عالم الغيب وفق ما حدده الله، وإخبار العباد به.
وليس للإنسان أن يطلب علم الغيب خارج دائرة الوحي الإلهي وإلا ضل وأضل.
فهو سبحانه وحده: {عَالِمُ الْغَيْبِ فَلَا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَدًا (26) إِلَّا مَنِ ارْتَضَى مِنْ رَسُولٍ فَإِنَّهُ يَسْلُكُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ رَصَدًا (27) } [الجن: 26، 27] .
وإذا كنا في العلم البشري لا نأخذ إلا عن مصادر موثوقة يعول عليها، ففي علم الغيب لا ينبغي أن نأخذ إلا ممن يملكون حق الحديث عن الله، وهم الأنبياء والرسل الذين أرسلهم الله، وأطلعهم على شيء من الغيب، وجعل مصدر علمهم الوحي، وهم أعلم الخلق بالله.
أما غيرهم فمصدر علمهم العقل، والعقل البشري وحده قاصر عن إدراك المعرفة المتصلة برب العالمين.
وتكليف العقل بالبحث في عالم الغيب يشبه سؤال الكبد عن المشاهد التي تختص برؤيتها العين.
ومن الظلم لعضو خلقه الله لعمل محدد أن نكلفه فوق طاقته، ونحاول استخدامه في غير محله، فنظلم أنفسنا، ونظلم غيرنا.