قال النووي: وأما المشتغل بقراءة القرآن، فقال الواحدي: الأولى ترك السلام عليه، فإن سلم عليه كفاه الرد بالإشارة، وإن رد لفظا استأنف الاستعاذة وقرأ.
قال: وفيه نظر، والظاهر أنه يشرع السلام عليه ويجب عليه الرد، ثم قال: وأما من كان مشتغلاً بالدعاء مستغرقاً فيه مستجمع القلب فيحتمل أن يقال هو كالقارئ، والأظهر عندي أنه يكره السلام عليه؛ لانه يتنكد به ويشق عليه أكثر من مشقة الأكل [169] .
ثامناً: كراهية السلام على المتخلي:
يكره لن يقضي حاجته ببول أو غائط أن يرد السلام بإتفاق أهل العلم، والأصل في هذا ما رواه ابن عمر رضي الله عنهما: أن رجلاً مر ورسول الله صلى الله عليه وسلم يبول فسلم فلم يرد عليه [170] .
ويستحب لمن أُلقي عليه السلام وهو يقضي حاجته أن يرد السلام بعد الوضوء تأسياً برسول الله صلى الله عليه وسلم، فقد روى المهاجر بن قنفذ أنه أتى النبي صلى الله عليه وسلم وهو يبول، فسلم عليه، فلم يرد عليه حتى توضأ، ثم اعتذر إليه، فقال: (( إني كرهت أن أذكر الله عز وجل إلى على طهر ) )أو قال (( على طهارة ) ) [171] .
وكما يكره رد السلام لمن هو مشتغل بقضاء الحاجة فكذا يكره أن يلقى عليه السلام. قال النووي: يستثنى من العمود بابتداء السلام من كان مشتغلاً بأكل أو شرب أو جماع أو كان في الخلاء أو الحمام أو نائماً أو ناعساً أو مصلياً أو مؤذاناً مادام متلبساً بشيء مما ذكر فلم لم تكن اللقمة في فم الآكل مثلاً شرع السلام عليه ويشرع في حق المتبايعين وسائر المعاملات، واحتج له ابن دقيق العيد بأن الناس غالباً يكونون في اشغالهم فلو روعي ذلك لم يحصل امتثال الإفشاء.
وقال ابن دقيق العيد: احتج من منع السلام على من في الحمام بأنه بيت الشيطان وليس موضع التحية لاشتغال من فيه بالتنظيف قال: وليس هذا المعنى بالقوي في الكراهية بل يدل على عدم الاستحباب [172] .
قلت: ويستثنى من كراهة إلقاء السلام على من كان في الخلاء من كان عليهم إزار؛ فإنه حينئذ لا كراهة في السلام عليهم، يدل على هذا ما ثبت في صحيح مسلم عن أم هانئ قالت: أتيت النبي صلى الله عليه وسلم وهو يغتسل وفاطمة تستره فسلمت عليه ... الحديث [173] .