تثبت هذه الآية: أن القرآن من عند الله، وتطالبهم أن يتدبروه بيقظة وانتباه، وتنكر عليهم عدم تفكرهم فيما فيه من موجبات الإِيمان به، وتحضهم على التأَمل فيه.
والمعنى: أَيعرض هؤلاء المنافقون عن القرآن، فلا يتأَملون فيه، ليعلموا أَنه من عند الله؟!. فلو تدبروه وتبصروا ما اشتمل عليه من المعاني الصادقة، لأيقنوا أَنه من عند الله لا من عند غيره؛ لأَنه كتاب أُحْكِمَتْ آياتُه، لا عِوَجَ فيه. وهو فوق طاقة البشر أَجمعين. فأخباره كلها صادقة: سواءٌ ما يتناول منها الغابر السحيق، أو المستقبل البعيد، أَو ما كشف به كيد المنافقين.
{وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا} :
أي: ولو كان هذا القرآن من كلام البشر: مؤَلفا من عندهم - كما كانوا يدعون حين قالوا: {إِنَّمَا يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ} - لوجد الناس فيه تناقضا كثيرا. ذلك لأن طاقة البشر، لا تستطيع الإِتيان بهذا الكمال، في بيان العقائد والعبادات، والمعاملات والأخلاق، والإخبار الصادق عن الماضي والمستقبل، وعالَم الغيب، وما يجرى فيه ... كل ذلك في أُسلوب بديع متقن، بلغ الغاية في الكمال والتحدي.
إن العلوم التي تقوم على التجارب، قد تنقض اليوم، ما أبرمته بالأمس، وتهدم غدا ما بنته اليوم.
أما القرآن الكريم، فإنه لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه؛ لأنه كتابٌ أحكِمَت آياتُه؛ ولأنه تنزيل من حكيم حميد.
والمعهود في كبار الأُدباء: أن تتفاوت آثارهم قوة وضعفًا، وَسُمُوًا وَضَعَةً. ولا يسلم أحد من هذا، وإن كان عبقري الموهبة، رائع البيان.
وقد تناول النقد الأدبي هذه الظاهرة البشرية بالدراسة والتسجيل.
أما القرآن الكريم، فجميع آياته طبقة عليا من البلاغة التي تفوق طاقات الإنس والجن، ولو كان بعضهم لبعض ظهيرا.
{وَإِذَا جَاءَهُمْ أَمْرٌ مِنَ الْأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذَاعُوا بِهِ وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ وَلَوْلَا فَضْلُ اللهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لَاتَّبَعْتُمُ الشَّيْطَانَ إِلَّا قَلِيلًا (83) } .
المفردات: