وَأَمَّا الَّذِي قَالَهُ مُجَاهِدٌ وَأَبُو صَالِحٍ مِنْ أَنَّ مَعْنَى ذَلِكَ لَا تَتَعَجَّلِ الرِّزْقَ الْحَرَامَ قَبْلَ مَجِيءِ الْحَلَالِ، فَإِنَّهُمَا أَيْضًا إِنْ لَمْ يَكُونَا أَرَادَا بِذَلِكَ نَحْوَ الْقَوْلِ الَّذِي رُوِيَ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ أَنَّهُ قَالَ: إِنَّ الرَّجُلَ لَيُحْرَمُ الرِّزْقَ بِالْمَعْصِيَةِ يَأْتِيهَا، فَفَسَادُهُ نَظِيرُ فَسَادِ قَوْلِ ابْنِ زَيْدٍ؛ لِأَنَّ مَنِ اسْتَعْجَلَ الْحَرَامَ فَأَكَلَهُ، ثُمَّ آتَاهُ اللَّهُ رِزْقَهُ الْحَلَالَ فَلَمْ يُبَدِّلْ شَيْئًا مَكَانَ شَيْءٍ، وَإِنْ كَانَا أَرَادَا بِذَلِكَ أَنَّ اللَّهَ جَلَّ ثناؤُهُ نَهَى عِبَادَهُ أَنْ يَسْتَعْجِلُوا الْحَرَامَ فَيَأْكُلُوهُ قَبْلَ مَجِيءِ الْحَلَالِ، فَيَكُونَ أَكْلُهُمْ ذَلِكَ سَبَبًا لِحِرْمَانِ الطَّيِّبِ مِنْهُ، فَذَلِكَ وَجْهٌ مَعْرُوفٌ، وَمَذْهَبٌ مَعْقُولٌ يَحْتَمِلُهُ التَّأْوِيلُ، غَيْرَ أَنَّ الْأَشْبَهَ فِي ذَلِكَ بِتَأْوِيلِ الْآيَةِ مَا قُلْنَا؛ لِأَنَّ ذَلِكَ هُوَ الْأَظْهَرُ مِنْ مَعَانِيهِ؛ لِأَنَّ اللَّهَ جَلَّ ثناؤُهُ إِنَّمَا ذَكَرَ ذَلِكَ فِي قِصَّةِ أَمْوَالِ الْيَتَامَى وَأَحْكَامِهَا، فَلَا يَكُونُ ذَلِكَ مِنْ جِنْسِ حُكْمِ أَوَّلِ الْآيَةِ، فَأَخْرَجَهَا مِنْ أَنْ يَكُونَ مِنْ غَيْرِ جِنْسِهِ.
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: {وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَهُمْ إِلَى أَمْوَالِكُمْ}
قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ: يَعْنِي بِذَلِكَ تَعَالَى ذِكْرُهُ: وَلَا تَخْلِطُوا أَمْوَالَهُمْ يَعْنِي: أَمْوَالَ الْيَتَامَى بِأَمْوَالِكُمْ فَتَأْكُلُوهَا مَعَ أَمْوَالِكُمْ
عَنِ الْحَسَنِ، قَالَ: «لَمَّا نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ فِي أَمْوَالِ الْيَتَامَى، كَرِهُوا أَنْ يُخَالِطُوهُمْ، وَجَعَلَ وَلِيُّ الْيَتِيمِ يَعْزِلُ مَالَ الْيَتِيمِ عَنْ مَالِهِ، فَشَكَوْا ذَلِكَ إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ» فَأَنْزَلَ اللَّهُ: {وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْيَتَامَى قُلْ إِصْلَاحٌ لَهُمْ خَيْرٌ وَإِنْ تُخَالِطُوهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ} قَالَ: «فَخَالِطُوهُمْ وَاتَّقُوا»
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: {إِنَّهُ كَانَ حُوبًا كَبِيرًا}