اقترب إخوة المقدسي منه لعلمه فقد كان أكثرهم علما، وكان ما يميزه تمكنه في مسائل التوحيد خاصة، إضافة إلى فهمه للإسلام عامة، لم يكن أبو محمد المقدسي طالب العلم الوحيد بين السجناء السياسيين. كان الجلوس مع المقدسي والاقتراب منه للتجمع والوحدة ومناقشة القضايا المستجدة وتأصيلها شرعيا وجماعيا، وذلك عن طريق جمع آراء أئمة الإسلام من العلماء والفقهاء والخروج بتصور واضح حيال وضع الإسلام والمسلمين والحوادث النازلة حسب أصول الإسلام، كذلك محاولة الإرتقاء بشكل جماعي وانفرادي بتنسيق وأخوة، كانت هذه مهمة جماعية وضرورة شرعية حسب تصورهم، تمليها عليهم طبيعة المرحلة، لم يجد إخوة السجن في حياتهم العملية قدوة يلتفون حولها ليستقوا منها ويركنوا إليها، فقد كانوا يرون أن القضايا المصيرية والمهمة، والتي لها اتصال مباشر بحياة الناس وعقيدتهم في الحياة، تقاعس عنها أهل العلم والعلماء مما أدى إلى انتشار المنكر عامة، لم يروا تلك القدوة العملية التي تعيد لهم مواقف إئمة الإسلام من قبل مثل الإمام أحمد وأئمة المذاهب وعبدالله ابن المبارك وابن تيمية والعز بن عبدالسلام والنووي وغيرهم، فقاموا بتشخيص واقع أمتهم من خلال القرآن الكريم حجة الله على البشر وسنة الرسول صلى الله عليه وسلم وأقوال السلف والعلماء الذين أجمعت الأمة على إمامتهم، أولئك الذين لهم مواقف خالدة سجلها التاريخ تجاه تيار الباطل الغائر في عمق التاريخ، والذي يقوده إبليس اللعين ومن سار على نهجه أتباعه لحرب الإسلام وأهله في كل عصر ومصر، أرادوا أن يعرضوا بضاعة أئمة علماء الإسلام العظماء، ولم يأتوا ببدع في الدين أو دين جديد في تأصيلاتهم الفكرية وتنزيلها على الواقع، كان السجن لديهم زاد الصابرين، يخطون به حياتهم في العبادة بمفهومها الشامل، ويتضرعون لله كثيرا أن يهديهم سواء السبيل. لم يكن الزرقاوي تلميذا للمقدسي فالرصيد الثقافي الهائل الذي تعلمه في ساحات الجهاد والرباط جعله يلتقي مع المقدسي في خطوط وقواسم مشتركة عامة أدت بهما إلى المصاحبة والإستفادة من بعضهما البعض، بل استطاع أبو مصعب الزرقاوي بجهاده وفقهه العملي أن يؤثر في تصحيح بعض المفاهيم التي كانت راسخة لدى المقدسي تجاه الجهاد وتأصيله النظري، لكنه لم يكن قد تتلمذ على يديه أوأخذ إجازة منه، فقد كان صاحبا له في الطريق ورادفا له في العلم والفقه، تلك المرحلة التي جعلت من السهل تذويب الفوارق بينهما فهما في توازن في التصور مما ساهم إلى صهرهما في بوتقة واحدة من العلم والفقه، وأدى إلى وصول أبو مصعب إلى مراتب عليا تؤهله إلى مناقشة أبي محمد وتصويبه أو تخطأته في قضايا مهمة، كان هناك ارتقاء بينهما ولكل منهما مذاهب شتى من التصورات والأفكار تجاه الجهاد ارتقت شخصية الزرقاوي بشكل مطرد في الفهم والتصور وسعة الأفق مع سمو النفس والروح والشفافية. شخصية المقدسي في السجن كان يعتريها بعض الفتور، في حين كان علمه وهالته يعتز بها إخوته ويسندوا به ظهورهم، ويعتبروه رافدا من روافدهم الكثيرة، ويهتمون به حيث جعلوه يتكلم باسمهم ويخطب فيهم ويحاضر، ويقومون بتوفير الأجواء المناسبة له بل خدمته في كثير من الأحيان. في الجهة المقابلة كان إخوة المقدسي يشكون من انشغاله بالعلم والعمل لوحده، وبعض الاحيان تحصل بينهم خلاف في الرأي كل حسب تصوره، لكنه لم يكن الخلاف في