فهرس الكتاب

الصفحة 28 من 619

لائم، يعجيه الرجل الذي يضحي وصاحب البلاء، ويعجبه كثيرا ابن تيمية ومواقفه في سجنه. إختلاط الزرقاوي بالمساجين عامة جعله يسبر أغوارهم، ويعرف كيف يتعامل معهم، ليدعوهم إلى عبادة الله والصلاة، ويقوم بحل مشاكلهم حتى فرض احترامه على الجميع، بما فيهم أصحاب المخدرات والجنايات وغيرهم، يعطف ويحن على السجناء ويعتبرهم أنهم مادة"خام"يسهل تشكيلها وتكييفها، فيحدث كلا منهم باسلوب مناسب، واستفاد هذه الخبرة في التعامل مع الناس من خلال تجارب حياته التي مر بها في أفغانستان وباكستان والأردن .. ، كان يعتبر السجناء رصيدا ثريا له في مرحلة السجن والبلاء، جاءت بهم خطاياهم وبلاؤهم إلى السجن، فأراد أن يعيدهم إلى الجادة ولا يجمع عليهم بلائين، بلاء السجن وبلاء ضياع الدين، فقه ذلك من خلال قول الرسول صلى الله عليه وسلم: (خياركم في الجاهلية خياركم في الاسلام إذا فقهوا) كان إذا سمع بمرض سجين، اشتري له هدية وعاده وقرأ عليه القرآن، وحث اخوته على زيارة المريض، صاحب مروءة لا يدعوه أحد إلا لبى نداءه ملتزما كان أو غير ملتزم. كريما سخيا تربى على صفات والديه في الكرم والنبل والسخاء. يحسن الاستماع للآخرين مع تحفظه عن ذكرهم بسوء، إلا أن تكون مخالفة للدين فيبين أخطائهم بعد تأن وروية بإسلوب مناسب، واكثر ما كان يضيق صدره بما يعود على المرء من سيئات بالهمز واللمز والإستغابة. كانت نفسه قد أرتقت للمعالي

إذا غامرت في أمر مروم ... فلا تقنع بما دون النجوم

فطعم الموت في أمر حقير ... كطعم الموت في أمر عظيم.

نفسه ذا رقة وعطف فإذا ما مرض أحد اخوته يقوم بخدمته ويبكي عليه ويسهر إلى وقت متأخر من الليل عليه، يبدو عليه صفاء النفس ويحب الصفاء. قال لي مرة حينما تذاكرنا السجن وبلائه وأشجانه:"السجن صفاء".

أصبح الزرقاوي أحد رجال المرحلة، تلك التي تتطلب رجولة ورجال، ليجدد مع إخوته ما قام به الصحابة من عقيدة بناء، فقد أصبحوا مؤهلين وأصحاب تجارب لقيادة الناس وتحمل المسؤوليات، كانوا طموحين ويمنون أنفسهم لقيادة الركب بالصبر واليقين تلك التي تنال بها الإمامة في الدين، يغرس في نفوس أصحابه أنهم جزء من بناء الإسلام العظيم، ويضع لإخوته وللناس قيمة. تلك الأحاسيس والمشاعر بقيادة الركب فرضتها عليهم طبيعة سجنهم باعتبارهم قاموا بمقتضيات الإمامة في الدين حين تمثلوا الصبر واليقيين،.وقد أرسل لي ولأخته من سجنه رسائل ذكر فيه: أن الأمامة في الدين تنال بالصبرواليقين، لم يكن السجن عنده نهاية المطاف، بل كانت مرحلة في الطريق. وكانت يتمثل بمقولة الشيخ محمد نجيب المطيعي التي سطرها في كتاب الدفاع عن أراضي المسلمين أهم فروض الأعيان للشيخ عبدالله عزام حيث قال"أنما يجاهد المؤمن في الله جهاده، إن أخفق فإفادة أو أوذي فإراده أو نفي فريادة أو سجن فعبادة أوعاش فقيادة أو مات فشهادة فله الحسنى وزيادة، كانت هذه المقولة منهاج حياة متكامل يعيش به في السجن مع إخوته. كان الزرقاوي صاحب شهامة ورجل المهمات الصعبة، ومن أسبق الناس لفعل الخير، ويقوم ببناء قوته الداخلية وشخصيته، ولم تك تلك الظروف السابقة التي مر فيها بأفغانستان مهيئة لانطلاق شخصيته، كان هناك الإنطلاق داخل النفس لبناء التوكل واليقين والايمان بالله والشهادة في سبيل الله،"

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت