بعضها فوق بعض، كانوا يعرفون طبيعة الوضع الذي هم فيه، والأحكام التي سيستقبلونها، وكانوا ينتظرون الفرج من الله، عاشوا حياتهم في بلاء السجن بصبر ويقين. قاموا باتباع سياسة قوية أملتها عليهم طبيعة المرحلة وضرورتها، كان الذهاب والأياب لأخذ وجبات الطعام يشكل لهم كابوسا مقلقا، وهما دائما لا يتوقف، كذلك عملية العد اليومي الدائم والمتكرر للسجناء، وقد يخطىء الضابط في عد السجناء، مما يؤدي تكرارإعادة إخراجهم مع السجناء جميعا إلى الساحات للعد مثنى وثلاث ورباع، وكذلك كان التفتيش العاري للشباب من أشد ما يقلقهم، إضافة لصعوبة زيارة أهاليهم حيث كانوا يلاقون مصاعب جمة، حتى يصلون إليهم ... كما هو الحال في هذه الأيام حيث قامت الشرطة في السجن بالضغط على السجناء وإثارتهم، وذلك من خلال التضييق على زيارة أهاليهم و قيام شرطتها النسائية بتفتيش سبعة نساء تفتيشا عاريا كما يذكر السجناء في رسالة لهم، اطلعت عليها، مما أدى إلى القيام بإضراب لتحسين أوضاعهم والإختلاط بالأخرين حيث لا يسمح لهم بالصلاة في مسجد السجن، أو الإختلاط مع بقية السجناء. كان في مراجعة الزرقاوي وإخوته للعيادات تشديدا عليهم بخلاف غيرهم، ووضعهم مع أصحاب المخدرات والجنايات وغيرهم كذلك منعهم من الصلاة في مسجد السجن والحجر عليهم لئلا يختلطوا بأحد فيتأثربهم .. كان وضعهم في السجن، كمن اصابه بلائين بلاء السجن، وبلاء سجن السجن حيث التضييق عليهم في السجن، رغم أن الشعار المعلن في السجن أنه مركز تأهيل .. لم يكن هذا الوضع ينسجم مع توجههم الديني، وطبيعتهم النفسية التي تربت على العزة وشموخ النفس، فكان لهم صدمة أن يعاملوا معاملة قطاع الطرق والجنائيين والتفتيش اليومي، حيث تعتبرهذه مهانة عندهم في السجن وتصادم شموخ نفوسهم وتوجههم إلى الله بالعبادة، كانت طبيعتهم النفسية متعالية وغير متلائمة مع أنظمة السجن وقوانينه التي وضعت أصلا للتعامل مع قطاعات معينة من الناس، ولم تراع طبيعة أصحاب المبادىء، من حيث السماح بممارسة الشعائر التعبدية كالصلاة في مسجد السجن، والإختلاط بالآخرين كما هو الحال في سجون الأرض، بل سجن داخل سجن وبلاء مركب داخل بلاء. أصبحوا يشعرون من خلالها- حسب وصفهم -أنها تغرس الذل في نفوس عاشت العزة بالجهاد، وتربت على معاني الرجولة والشهامة والتضحية. ذلك الجو المتناقض والمشحون جعلهم يجمعون أمرهم، ليكون لهم كيانا سياسيا يتم فرضه على إدارة السجن، وساهمت الأحداث المتسارعة في تحقيقه، وفي تلك المراحل كلها كان هناك تحدي جماعي ساهم جميع إخوة الزرقاوي في تحقيقه، بتعاون وثيق ووحدة تصور وترابط بين الجميع في بناء ذلك على أرض الواقع.
بدأت تجربتهم بمرحلة جديدة في حياتهم، حيث أرادوا أن يشكلوها بالوجهة الصحيحة حسب تصورهم، كان التشكيل يحتاج إلى عدة عوامل وظروف مجتمعة، إضافة إلى صفات شخصية محددة ومعالم واضحة تجمعهم وتوحدهم للقيام بهذا العمل، كانت هذه الصفات أكثر ما تكون مجتمعة بالزرقاوي، لم يكن ابو محمد المقدسي مع توجه الشباب عموما في تأزيم العلاقات مع إدارة السجون، كان يرى أن ينصرف كل امرء منهم لشأنه ويقول:"هذه إمارة سفر"أي أمارة غير حقيقية، وليست ملزمة تبعاتها بالنسبة لهم. خلال الثلاثة شهور الاولى قام الزرقاوي والمقدسي ومجموعتهم بصناعة موقف أدى لتفاوض