أدارة السجن معهم وقبول شروطهم، ولم يأخذوا قرار جماعيا إلا بالاستشارة (ما خاب من استخار وما ندم من استشار) وكانوا متمسكين بهذه السنة حسب تصورهم، وإمارة الإسرى بالنسبة لهم من الضروريات المهمة التي اقتضتها الحاجة الملحة والضرورة الملزمة في مرحلة بلائهم، تلك التي تملي عليهم أن يكون لهم كيان سياسي ينطلقون من خلاله في تصوراتهم وأفكارهم بتأصيل علمي مبني على الأدلة، ولتلك الإمارة فقهها الخاص حسب تصورهم .. وقد تحدث أهل العلم في إمارة الأسرى. كان فقه الأسير وحدود الإمارة بالسمع والطاعة، لا مفر منه لديهم، وللإمارة في وضعهم الحالي أحكام وتقاطع مصالح بين الإخوة جميعا. أراد الزرقاوي وإخوته بمحطتهم الطويلة تلك، أن يكون لهم نظام عملي يرتقوا من خلاله، ويقوموا ببناء أنفسهم ثقافيا وعلميا وسياسيا، كان العلم والعمل هما الدافع لضرورة وجود هذا الكيان لديهم، حصل هناك تصادم وتناقض بين العزة التي كانوا فيها من قبل بطبيعتهم الدينية مع الحياة الجديدة في السجون، والتي تبدل فيها الوضع فرأوا أنه لا مفر من المواجهة لأنهم يذلون أنفسهم حسب تصورهم. كانوا لا يرغبون المواجهة ولكن عزة الاسلام في نفوسهم جعلتهم يختارون طرق المواجهة.
بعد أن اجتمع الأصحاب في غرفة واحدة، بدأت تتحدد معالم شخصية أبومصعب حيث كان منعزلا على نفسه ومتفرغا للعبادة، يقوم بإتمام حفظه للقرآن، فقد كان يحفظ في أفغانستان كثيرا من القرآن منها"الزهراوان البقرة وآل عمران"يبني نفسه بالهدى والتقى متوجها إلى الله باليقين والعمل ومستعينا بالله بالصبر والصلاة، كانت صفات الرجل ربانية في عبادته و منشغلا بقراءته للقرآن والذكر واقترابه من الله، كان ذلك باديا عليه من قبل إخوته وله تأثيره كبير على إخوته ومجتهدا عليهم بحفظ القرآن واهتمامه الشديد بالحكم الشرعي. كان له سلطان على قلوب إخوته، كانوا يروا كيف يقطع وقته بقراءة القرآن بلا كلل أو ملل،، ويتكفل بمراجعة لبعض إخوته حفظهم القرآن بل كان يسمع لبعضهم في اليوم عشرة أجزاء، كان إخوته يحبون إمامته و يصرون عليه أن يصلي بهم مع تجنبه لها، صوته نديا ولا يملك نفسه من البكاء في الصلاة لخشوعه ولا يملك اخ نفسه الا ويبكي خلفه، وهذا من الأسباب الكبيرة في جذب قلوب إخوته له، جذبتهم صفاته إليهم، شخصيته فريدة بينهم حيث فرضت حبه على أخوته، فأصبح قويا بأخوانه، ويعتبرهم رصيده ويردد دائما:"إخواني إخواني"حتى تعلم إخوته هذا اللفظ منه وأصبحوا يرددونه، كان يضع قيمة كبيرة لأخوته في السجن، وله معهم مواقف كريمة وطيبة ويعامل الآخرين بالحسنى، يحمل القرآن أغلب وقته، ويبدأ بمراجعته وحفظه كان يبني بنيانه بالعلم والعمل والعبادة، فاصبح إخوته يقلدونه ويصنعوا مثلما يصنع، فتأثروا بأفعاله وأقتربت قلوبهم منه فزادت ثقتهم به وحبهم له إن نسي فلا ينسى زاده في الطريق بعبادته وصلاته ويحافظ على قيام الليل ويقوم بأيقاظ اخوته لقيام الليل، وحين كان يصلي الليل يقوم بإطفاء الأنوار حتى لايرى أحد بكاءه، ويحرص على ذلك. كان بعضهم يقوم الليل ويصلي ثلاث ساعات وزيادة، ويطلب من إخوته بعض الأحيان أن يوقضوه في الليل ليقومه، ويقوم وحده في أحايين كثيرة، يقرأ