لكن الزرقاوي كان يرى أن الحقيقة تأتي متأخرة في كثير من الأحيان، حين لا يكون للناس ضرورة في معرفتها لتقادم الزمن. بينماالحقيقة ان الوهابية والسلفية منهج وليست مذهب، فكل من قال لااله الا الله محمد رسول الله واتخذ من الاسلام منهج حياة ودستور فهو بالطبع سلفي بغض النظر عن هيئته وشكله وجنسه. لقد كان أبو مصعب سلفيا على فهم السلف، ولم يكن ينتمي إلى مدرسة فكرية غير مدرسة السلف الصالح، ويتبع الاسلام دينا وتتميز سلفية ابي مصعب عن السلفية التقليدية التي نشأت في ظل الانظمة، أنها سلفية عاشت ظروف الإسلام في جمر المحنة، وابتعدت عن الانظمة وضاقوا المر والهوان في سبيل تبليغ دعوتهم كما يتصورون، كما عاش الصحابة من قبل في ظروف بلائهم وتجرعوا الغصص والعلقم. خرج الزرقاوي بتجربة أراد من خلالها أن يعيد سيرة السلف الصالح الامام احمد ابن حنبل وسعيد بن جبير وعبدالله بن المبارك إضافة ألى من تبعهم بإحسان كابن تيمية والشيخ محمد بن عبد الوهاب وغيرهم من دعاة الإسلام وعظمائه. كان يدعو إلى العودة الى الاسلام من أصوله، في حين رأى أن الدين الذي يرعاه علماء السلاطين الكهنوتيين قد ضاع بالمداهنة والتدهين والمواطئة. كان منهجه قول الإمام أبو عمر الإوزاعي رحمه الله حين قال:"عليك بآثار من سلف وإن رفضك الناس، وإياك وآراء الرجال وإن زخرفوه لك بالقول"لا يداري ولا يهادن ولا يواطىء فيما يرى أنه حقا. ولا يرضى أن يقول برأيه في مسائل الشرع التي حكم فصل فيها الإسلام.
لم يلتفت الزرقاوي إلى كثير من قيادات أمتنا السياسة والدينية من علماء وطلبة علم ودعاة وسياسيين ممن استهوتهم السياسة وشعاراتها المهترئة كطريق لاستئناف الحياة الإسلامية، فقد كانوا حسب تصوره متصدرين للأمور وأهل أهواء وبدع، ويعتبرهم قادة رأي ومصالح وعقل، وليس قادة شريعة ودين ونقل، فهم يقدمون العقل والرأي على الدين والنقل، كان يتصور أن اجتهاداتهم وآرائهم تسير حول التوظيف السياسي للخطاب الديني، وتكيّف الدين حسب التصور السياسي للأنظمة، حيث أصبحت للأنظمة شرعية في إقترابهم منها وتعاملهم بأنظمتها، في حين أن الأنظمة في خصومة شديدة مع الإسلام، إلا من شكليات ومظاهر لا تغني ولا تسمن من جوع. ففي الوقت الذي تركت الأنظمة الشريعة جانبا، وتقول عن نفسها أنها ديمقراطية وعلمانية وتتعامل في قوانينها"المقننة"بالدساتير الوضعية، كان يرى أن أهل السياسة الدينية مقبلون على تلك الأنظمة بالكلية، وكأنها في طريقها لإسئناف الحياة الإسلامية، حيث قاموا بتقليل الهوة التي بينهم وبين الديمقراطية والعلمانيين وتذويب الفوارق، فما وافق الشرع اتخذوه منهجا، وما خالفه فالضرورة تبيحه، وتلوى أعناق النصوص ليا لتوافق توجهاتهم. اطلقوا لأنفسهم العنان أن يعملوا كيف شاءوا وما شاءوا، وفي النهاية فتاوى العلماء للضروة تبرر المحظور، وشماعة السياسة الشرعية ومصالح الدعوات تستوعب كل تصور وبأي اتجاه. أصبح تصور الحل السلمي السياسي للإسلام، والديمقراطية العلمانية التي ارتضاها الغرب لنا، طريقا لاستئناف الحياة الإسلامية، وتقبل المنهزمون من أمتنا هذا التصور بارتياح بالغ. في حين أن تطبيق الإسلام مشوه عند منتسبيه ممن ارتضوا ان يسيروا بسياسة دستورية الأنظمة الديمقراطية، لتحقيق