والفقه والحديث والأصول، وعند حصول إشكاليات عند البعض لا يعدم أصحاب العلم فيهم، أولئك الذين يوضحون المبهم ويفسرون المشكل، لقد كانوا في السجن نسيج وحدهم.
كان السجن مدرسة تربوية للزرقاوي وإخوته، خرجوا منها بحصيلة علمية وثقافية كبيرة، ساهمت تلك التجربة في وضوح الرؤية والتصوروالبناء، حيث اأضافت تجربة السجن، رصيدا ضخما إلى رصيدهم السابق، مما أدى إلى إكتمال بنائهم وقوة نماذجهم بعد أن فقهوا الاسلام وعلموا مراميه، توازنهم في حياتهم العملية، وبنائهم لأنفسهم جعلهم يشعرون بسعادة غامرة في محنتهم بالسجن، حين كنت أذهب مع شقيقة الزرقاوي لزيارته، كان يقوم بشحننا وتثبتنا وتبصيرنا، ونشعرحينذاك أننا المسجونيين بحياتنا الطليقة وليس هو، كان في سجنه حرا طليقا تحلق روحه في المعالي، ويذكر لنا نعمة الله عليه في السجن، فيقول أقوالا نستصغر أنفسنا أمامه، ويبين لنا ان السجين هو من حرم نعمة معرفة الله، وأن الأمر بيد الله يقضي ما يشاء، متى قضى أمرا بالخروج جاء لا محاله، وما البشر الأ أدوات لتنفيذ قضاء الله، ولا يملكون من أمرهم شيئا، و (كل يوم هو في شأن) ،يشعرنا أن الفرج قريب، ولطالما ذكّرني بقول الرسول موسى عليه السلام وردده هو وصاحبه ابوالقسام حينما كنت أزورهم (فاقض ما أنت قاض إنما تقضي هذه الحياة الدنيا) يبين لنا أن السجن والبلاء طريق للعزة والتمكين، فكنا نعجب لهذا السجن الذي هو فيه، كيف قلب محنته إلى منحه، فأصبح باطنه فيه رحمه، وظاهره من قبله العذاب فيما يبدو لنا. وقد استفاد كثيرا من مواقف الأئمة العظام، والعلماء الربانين في عصور الاسلام الغابرة من تاريخنا، وقام بتطبيق ما استطاع إليه سبيلا، رأى أن السجن تربة خصبة لصهر شخصيته وأهله لأن يقف مواقف الأئمة والعلماء الربانيين كأمثال الإمام احمد بن حنبل وسعيد بن جبير وعبدالله بن المبارك وابن تيمية والعز بن عبد السلام، وكذلك في عصرنا الحديث كأمثال الائمة الشهيد سيد قطب والشيخ عبدالحميد كشك والشهيدالشيخ عبدالله عزام وغيرهم من أبطال الأسلام العظماء قديما وحديثا، وقد أهله السجن لأن يكون إماما يقتدى به، في وقت عز فيه الأئمة الإ فيما يغضب الله-إلا من رحم الله - وقليل ما هم. واذكر انني كلما زرته في السجن كان الصبر والرضى سجيته، ويذكرقائلا:"هذا دين الله ياشيخ يحتاج إلى تضحية"بعينينه المبصرتين وفهمه الثاقب وفكره المنير. كان متيقن أن سيخرج، وينتظرالفرج من الله، حتى يتوجه إلى أفغانستان لنصرة دولة الطالبان، كنت أشعر أنه ينبغي أن أقول له ما يقول لي، لكنه كان يسبقني في القول مهما زورت له مقالتي، فقد كان هو وأبو القسام يفوقاني قولا وفهما، أقوالهم كانت تبني في نفسي شموخهم الايماني، فأتأثر بصبرهم ورباطة جأشهم وسعادتهم الغامرة، همهم الرضى بأمر الله والرضى عن الله فيما قضى به. يشعرون أنهم يخدمون دين الله بذلك، وأن المستقبل ينتظرهم ليقوموا بدورهم، مشاعرهم تلك تنطق بها أقوالهم، وتنبىء عنها أحوالهم. يكرر كثيرا أن الامامة في الدين تنال بالصيراليقين، وأن الله جعل الفرح والسرور بالرضى واليقين والهم والغم بالسخط والشك .. في حين غيرهم يعيش اليأس والضنك وظلام المستقبل مع أنهم يشتركون في نفس الظروف