رافقوه الطريق واكتمل بهم بناؤه، كذلك وصل الأمر ببعضهم أن يصفي أولاده وزوجته وأبوه. بل ربما لو استطاع الدكتاتورلصفى نفسه.
إن الدكتاتورية المعاصرة والقديمة هي"مشروع دكتاتوري فاشل"كما قال حسن العشماوي رحمه الله لجمال عبد الناصر العبد الخاسر حين ساومه على دعوته فرفض، فانقلب عليه جمال ليطارد صديقه الحميم وناصحه الأمين قبل الثورة، بعد أن استنفذ جهده جمال في إقناع صديقه بقبول منصب يليق به لكنه رفض بإصرار خيانة دعوته فنفخ الشيطان جمال، وانقلب على حسن العشماوي الإسلامي، قبل أن ينقلب على اصحابه في ثورة يوليو، ويقوم بتصفيتهم واحد تلو الآخر، وهكذا سنة الله تجري بعد أن بايع جمال على المصحف أن يحكم بالإسلام حين يستلم حكمه، فأذله الله في موته وكان منافقا قد ارتبط مع الجميع وخاصة الأمريكان وغيرهم أثناء إرتباطه ومعاهدته مع الإسلاميين. كان العشماوي حلقة الوصل بينه وبين الإسلاميين فخدع جمال الإسلاميين، واحتال عليهم بعد أن أرسو دعائم حكمه، والتاريخ يعيد نفسه في تعامل الإسلاميين مع الحكم والسياسة. كانت طريقة الزرقاوي في التصوروالعمل مغامرة في نظرغيره، لكنه كان يعتبرها متطلب مرحلي وطبيعي، فحسب تصوره وإخوته لايوجد عندهم شيء يفقدونه، فقد فقدوا كل شيء إلا دينهم وإرادتهم، وكما قيل"الغريق لا يخشى من البلل"، أراد الزرقاوي وإخوته أن يصنعوا لهم كيانا، فبدأوا من الصفر في التعامل مع الأحداث حتى قاموا بتحقيق ما أرادوا، وهذا الفرق في التصور الذي حصل هو أزمة حقيقية في مجتمعاتنا بين من يريدون التغيير بسياسات، ومن يريدون التغيير بطريق القوة مع فقه المرحلة. جمعت شخصية المقدسي بين توجه وطريقة رجال الدعوة والتبليغ وأسلوب السلفيين في العقيدة والفكر، لكنه كان ينقصه حركية الجهاد وفقهه في التصور، والذي هو نقص واضح في طبيعة العاملين للأسلام، فالمجاهدون بنفرتهم للجهاد تصهرهم روح الجهاد ويؤدي به إلى الفقه فيقوموا بفهم الإسلام بطريقة أسمى وأصفى وأعمق من أولئك الذين يقرأون الإسلام ويدرسونه وهم خلف مكاتبهم فحياة المجاهدين واقع عملي وزكاة لعلمهم. حيث نجد المجاهدين أعمق تصورا وأقوى فهما للأحداث من غيرهم، ولو كانوا علماء، وهذه الحالة الفاصلة هي التي جعلت الزرقاوي يتفوق على المقدسي في التصور وفقه المرحلة واتخاذ اسلوب الجد في التعامل مع الأحداث بما يناسبها، دون الإلتفات إلى قوة الخصم وحجمه، كانت عزة نفسه قد جعلته يرى ببصيرته كيف يشق طريقه مع إخوته، بينما كان المقدسي يتعامل مع الأحداث بتردد وحذر وتوجس وخطرحسب فقه الأولويات ومصلحة الدعوة، لكنه كان مرتبطا مع إخوته ارتباطا عضويا ويعيش أجواء المحنة مثلهم. لم يكن المقدسي داعية للجهاد بشكل عملي، إنما كان يؤصل تأصيلا نظريا كأي مسئلة فقهية أخرى. لم يكن الزرقاوي مقتنع بتصورالمقدسي للجهاد وتأصيله الفكري وفقهه للمرحلة التي يعيش، واتخاذه في منهجه بالبحث منحى يناسب وجود دولة اسلامية، فطريقته في التصور وقيامه بالتأصيل الفكري والمنهجي لأقوال العلماء بما يناسب التوجه الدعوي على طريقة العلماء التقليديين والذين قضوا أعمارهم بين التأليف والتنظير في مكاتبهم. في حين كان يعتمد الزرقاوي في تصوره على قاعدة"أنه لا يستفتى في أمر الجهاد فقيه قاعد".