ولما كانت غزوة بدر وكان المشركون أضعاف المسلمين التجأ الرسول صلى الله عليه وسلم في (العريش) إلى الله وأكثر من الدعاء والتضرع حتى سقط رداؤه عن ظهره، ثم نزل نصر الله. ونذكرهم بأن تكالب أحزاب الكفر عليهم من كل جانب هو ابتلاء من الله تعالى لهم، ورفعة لدرجاتهم، وتمحيص للمؤمنين، ومحق للكافرين، كما قال تعالى (وَلِيُمَحِّصَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَمْحَقَ الْكَافِرِينَ) (آل عمران:141) ، وهذه سنة الله في عباده المؤمنين، وما أشبه تحالف أمم الكفر عليهم بتحالف أحزاب الكفار من المشركين واليهود على الرسول صلى الله عليه وسلم وأصحابه كما قال تعالى (إِذْ جَاءُوكُمْ مِنْ فَوْقِكُمْ وَمِنْ أَسْفَلَ مِنْكُمْ وَإِذْ زَاغَتِ الْأَبْصَارُ وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَنَاجِرَ وَتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونَا) (الأحزاب:10) ، ثم جعل الله تعالى العاقبة للمؤمنين كما قال تعالى (وَرَدَّ اللَّهُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِغَيْظِهِمْ لَمْ يَنَالُوا خَيْرًا وَكَفَى اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ الْقِتَالَ وَكَانَ اللَّهُ قَوِيًّا عَزِيزًا) (الأحزاب:25) .
ونذكرهم بقول الله تعالى (الذين قال لهم الناس إن الناس قد جمعوا لكم فاخشوهم فزادهم إيمانًا وقالوا حسبنا الله ونعم الوكيل، فانقلبوا بنعمة من الله وفضل لم يمسسهم سوء واتبعوا رضوان الله والله ذو فضل عظيم) .
كما نبشرهم بأن السواد الأعظم من العلماء وطلبة العلم والدعاة والعامة يتولونهم، ويدعون لهم بالنصر والثبات، ويتبرؤون من أعداء المسلمين المتحالفين على حربهم، ويدعون عليهم بالهزيمة والخذلان.
(8) قد ينظر بعض ضعاف الإيمان ومن في قلبه مرض إلى أن الصراع بين أمريكا وأفغانستان مسألة محسومة النتائج، وأن حكومة (طالبان) بموقفها هذا تغامر وتجازف، وقالوا مثل ما قال إخوانهم من قبل (إذ يقول المنافقون والذين في قلوبهم مرض غر هؤلاء دينهم) ، وأن أمريكا بجبروتها، وإمكاناتها المادية، والحشد العسكري الضخم، والتحالف الدولي، والتسهيلات المعطاة لأمريكا من المنظمات والدول لا يمكن أن تقف أمامها هذه الدولة الضعيفة المحاصرة، ونقول لهؤلاء: يجب عليكم أن لا تغفلوا عوامل النصر المعنوية، التي يجب إبرازها في هذه الأحداث، والتذكير بها، وأن الفئة المؤمنة إذا أخذت بأسباب النصر الشرعية مع بذل الجهد - قدر المستطاع - في أخذ الأسباب المادية فإنها موعودة بالنصر والتمكين ولو كانت أقل عدة وعتادًا من عدوها، ومن ذلك التذكير بمواقف الرسل وأتباعهم حيث نصروا في معارك غير متكافئة من الناحية المادية، وتاريخ الصراع بين الحق والباطل مملوء بقصص انتصار الفئة القليلة المؤمنة على الفئة الكبيرة الكافرة، مثل قصة طالوت وجالوت، وموسى صلى الله عليه وسلم وفرعون، ومحمد صلى الله عليه وسلم وكفار قريش، ومعارك المسلمين الفاصلة بعد ذلك. قال تعالى - عن طالوت وقومه - (ولما برزوا لجالوت وجنوده قالوا لا طاقة لنا اليوم بجالوت وجنوده قَالَ الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلاقُو اللَّهِ كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ) (البقرة: من الآية 249) . وقد يحصر أيضًا كثير من الناس النصر بأنه النصر الحسي على الأعداء، وذلك بقتلهم والاستيلاء على ديارهم وأموالهم، ويغفلون عن النصر المعنوي الذي هو أعظم أنواع النصر وأشرفها ألا وهو الانتصار على حب الحياة وحب النفس، وتقديمها رخيصة في سبيل الله عز وجل وإعلاء كلمته، نعم إنه انتصار العقيدة في نفوس أصحابها والثبات عليها حتى الممات دون تنازل أو ضعف أو خور، كما كان ذلك من غلام الأخدود ومن آمن بدعوته بعد ذلك من المؤمنين