فهرس الكتاب

الصفحة 262 من 381

الظهورِ والخفاءِ، فَحَيْثُ يظهرُ ظهورًا كثيرًا، فَلاَ بأسَ باتِّبَاعِه، وتخصيصِ النصِّ بِهِ، أَوْ تعميمِه عَلَى قواعدِ القيَّاسينَ، وَحَيْثُ يخفى، وَلاَ يظهرُ ظهورًا قويًّا، فاتِّبَاعُ اللفظِ أَوْلَى، فَأَمَّا مَا ذُكِرَ مِن اشتراطِ أن يلتمسَ البلديُّ ذَلِكَ، فَلاَ يَقْوَى لعدمِ دلالةِ اللفظِ عَلَيْهِ، وعدمِ ظهورِ المعنى فِيهِ، فإن الضررَ المذكورَ الَّذِي عُلِّلَ بِهِ النهيُ لاَ يفترقُ الحالُ فِيهِ بَيْنَ سؤالِ البدويِّ وعدمِه ظاهرًا، وَأَمَّا اشتراطُ أن يكونَ الطعامُ مِمَّا تدعُو الحاجةُ إليه، فمُتَوَسِّطٌ فِي الظهورِ وعدمِه، لاحتمالِ أن يُرَاعَى مجرَّدُ ربحِ النَّاسِ فِي هَذَا الحكمِ عَلَى مَا أَشْعَرَ بِهِ التعليلُ، مِن قولِه صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (( دَعُوا النَّاسَ يَرْزُقُ اللهُ بعضَهم من بَعْضٍ ) ). وَأَمَّا اشتراطُ أن يظهرَ لِذَلِكَ المتاعِ المجلوبِ سعرٌ فِي البلدِ، فَكَذَلِكَ أَيْضًا، أي: إِنَّهُ متوسِّطٌ فِي الظهورِ؛ لِما ذَكَرْنَاهُ مِن احتمالِ أن يكونَ المقصودُ مجرَّدَ تفويتِ الربحِ والرزقِ عَلَى أهلِ البلدِ.

وَهَذِهِ الشروطُ مِنْهَا مَا يقومُ الدليلُ الشرعيُّ عَلَيْهِ، كشرطِنا العلمَ بالنهيِ، وَلاَ إشكالَ فِيْهِ، وَمِنْهَا مَا يُؤْخَذُ باستنباطِ المعنى، فَيُخَرَّجُ عَلَى قاعدةٍ أصوليَّةٍ، وَهِيَ أن النصَّ إِذَا اسْتُنْبِطَ منه معنىً يعودُ عَلَيْهِ بالتخصيصِ، هَلْ يصحُّ أَوْ لاَ؟ ويظهرُ لكَ هَذَا باعتبارِ بَعْضِ مَا ذَكَرْنَاهُ من الشروطِ.

وقولُه: (( وَلاَ تُصَرُّوا الغَنَمَ ) )، فِيْهِ مسائلُ: الأُولَى: الصحيحُ فِي ضبطِ هَذِهِ اللفظةِ ضمُّ التاءُ، وفتحُ الصادِ، وتشديدُ الراءِ المهملةِ المضمومةِ عَلَى وزنِ (( تُزَكُّوا ) ). مأخوذٌ من صَرَّى يُصَرِّي، ومعنى اللفظةِ يرجعُ إِلَى الجمعِ، تقولُ: صَرَّيتُ الماءَ فِي الحوضِ، وصَرَيْتُه - بالتخفيفِ والتشديدِ - إِذَا جمعتَه. و (( الغنمُ ) )منصوبةُ الميمِ عَلَى هَذَا، وَمِنْهُمْ مَن رواه (( لاَ تَصُرُّوا ) )بفتحِ التاءِ، وضمِّ الصادِ - من صَرَّ يَصُرُّ، إِذَا ربطَ. و (( المُصَرَّاةُ ) )هِيَ التي تُرْبَطُ أخلافُها؛ ليجتمعَ اللبنُ، و (( الغَنَمُ ) )عَلَى هَذَا منصوبةُ الميمِ أَيْضًا، وَأَمَّا مَا حكاهُ بعضُهم - من ضمِّ التاءِ وفتحِ الصادِ وضمِّ ميمِ (( الغنمِ ) )عَلَى مَا لم يُسَمَّ فاعلُه - فَهَذَا لاَ يَصْلُحُ مَعَ اتِّصَالِ ضميرِ الفاعلِ، وإنما يصحُّ مَعَ إفرادِ الفعلِ، وَلاَ نعلمُ روايةً حُذِفَ فِيْهَا هَذَا الضميرُ.

المسألةُ الثانيةُ: لاَ خلافَ أن التصريةَ حرامٌ، لأجلِ الغشِّ والخديعةِ التي فِيهَا للمشتري، والنهيُ يدلُّ عَلَيْهِ، مَعَ علمِ تحريمِ الخديعةِ قطعًا من الشرعِ.

المسألةُ الثالثةُ: النهيُ وَرَدَ عن فعلِ المُكَلَّفِ، وَهُوَ مَا يصدُرُ باختيارِه وتَعَمُّدِه، فَرُتِّبَ عَلَيْهِ حُكْمٌ مذكورٌ فِي الحديثِ، فَلَوْ تَحَفَّلَت الشاةُ بنفسِها، أَوْ نَسِيَها المالكُ بعدَ أن صَرَّاها، لاَ لأجلِ الخديعةِ، فَهَلْ يَثْبُتُ ذَلِكَ الحكُم؟ فِيهِ خلافٌ بَيْنَ أصحابِ الشَّافعيِّ، فمَن نظَرَ إِلَى المعنى أَثْبَتَهُ؛ لأن العيبَ مُثْبِتٌ للخيارِ، وَلاَ يُشْتَرَطُ فِيْهِ تدليسُ البائَعِ، ومَن نظرَ إِلَى أن الحُكْمَ المذكورَ خارجٌ عن القياسِ خصَّه بموردِه، وَهُوَ حالةُ العَمْدِ؛ فإن النهيَ إِنَّمَا يتناولُ حالةَ العمدِ.

المسألةُالرابعةُ: ذَكَرَ المُصَنِّفُ: (( لاَ تُصَرُّوا الغَنَمَ ) ). وَفِي الصحيحِ: (( الإِبلَ والغنمَ ) ). وَهَذَا هُوَ مَحلُّ التصريةِ، والفقهاءُ تَصَرَّفُوا وَتَكَلَّمُوا فِيما يَثْبُتُ فِيهِ هَذَا الحكمُ مِن الحيوانِ، ولم يَخْتَلِفْ أصحابُ الشَّافعيِّ أَنَّهُ لاَ يختصُّ بالإِبلِ والغنمِ المذكورينِ فِي الحديثِ، ثُمَّ اخْتَلَفُوا بعدَ ذَلِكَ، فَمِنْهُمْ مَن عدَّاهُ إِلَى النَّعَمِ خاصَّةً، وَمِنْهُمْ مَن عَدَّاه إِلَى كلِّ حيوانٍ مأكولِ اللحمِ، وَهَذَا نظرٌ إِلَى المعنى؛ فإن المأكولَ اللحمَ يُقْصَدُ لبنُه، فَتَفْوِيتُ المقصودِ الَّذِي ظنَّهُ المشتري بالخديعةِ مُوجِبٌ للخيارِ، فَلَوْ حَفَّل أتانًا، فَفِي ثبوتِ الخيارِ وجهانِ لهم، من حَيْثُ إِنَّهُ غيرُ مقصودٍ لشربِ الآدميِّ، إِلاَّ أَنَّهُ مقصودٌ لتربيةِ الجحشِ، وَإِذَا اعْتُبِرَ المعنى، فَلاَ يَنْبَغِي أن يصحَّ هَذَا الوجهُ؛ لأن إثباتَ الخيارِ يَعْتَمِدُ فواتَ أمرٍ مقصودٍ، وَلاَ يَتَخَصَّصُ ذَلِكَ بأمرٍ مُعَيَّنٍ، أعني: الشربَ مثلًا، وَكَذَلِكَ اخْتَلَفُوا فِي الجاريةِ من الآدميَّاتِ لَوْ

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت