فهرس الكتاب

الصفحة 261 من 381

أركانِه وشرائطِه، وإنما هُوَ لأجلِ الإِضرارِ بالركبانِ، وَذَلِكَ لاَ يَقْدَحُ فِي نفسِ البيعِ.

الموضعُ الثالثُ: إثباتُ الخيارِ، فَحَيْثُ لاَ غُرورَ للركبانِ، بِحَيْثُ يكونونَ عَالِمِينَ بالسعرِ، فَلاَ خيارَ، وإن لم يكونوا كَذَلِكَ، فإن اشترى مِنْهُمْ بأرخصَ مِن السعرِ، فَلَهُم الْخِيارُ، وَمَا فِي لفظِ بَعْضِ المصنِّفِينَ مِن (( أَنَّهُ يُخْبِرُهُم بالسعرِ كاذبًا ) ). لَيْسَ بشرطٍ فِي إثباتِ الخيارِ، وإن اشترى مِنْهُمْ بمثلِ سعرِ البلدِ أَوْ أكثرَ، فَفِي ثبوتِ الخيارِ لَهُم وجهانِ للشافعيَّةِ، مِنْهُمْ مَن نظرَ إِلَى انتفاءِ المعنى، وَهُوَ الغَرَرُ والضررُ، فلم يُثْبِت الْخِيارَ، وَمِنْهُمْ مَن نظرَ إِلَى لفظِ حديثٍ وردَ بإثباتِ الخيارِ لَهُم، فَجَرى عَلَى ظاهرِه، ولم يلتفتْ إِلَى المعنى، وَإِذَا أثبتنا الخيارَ، فَهَلْ يكونُ عَلَى الفورِ، أَوْ يَمْتدُّ إِلَى ثلاثةِ أيَّامٍ؟ فِيهِ خلافٌ لأصحابِ الشَّافعيِّ، والأظهرُ الأَوَّلُ.

وَأَمَّا قولُه: (( وَلاَ يَبِعْ بَعْضُكُمْ عَلَى بَيْعِ بَعْضٍ ) ). فَقَدْ فُسِّرَ فِي مذهبِ الشَّافعيِّ بأن يشتريَ شَيْئًا فيدعُوه غيرُه إِلَى الفسخِ ليبيعَه خيرًا مِنْهُ بأرخصَ، وَفِي معناه الشراءُ عَلَى الشراءِ، وَهُوَ أن يدعوَ البائعُ إِلَى الفسخِ ليشتريَه مِنْهُ بأكثرَ، وهاتانِ الصورتانِ إِنَّمَا تُتَصَوَّرَانِ فيما إِذَا كَانَ البيعُ فِي حالةِ الجوازِ، وَقَبْلَ اللزومِ، وتَصَرَّف بَعْضُ الفقهاءِ فِي هَذَا النهيِ، وخَصَّصَه بما إِذَا لم يكنْ فِي الصورةِ غَبْنٌ فاحشٌ، فإن كَانَ المُشْتَرِي مَغْبُونًا، فيدعُوه إِلَى الفسخِ، ويشتريه مِنْهُ بأكثرَ.

ومِن الفقهاءِ مَن فَسَّرَ البيعَ عَلَى البائعِ بالسَّوْمِ عَلَى السوْمِ، وَهُوَ أنْ يأخذَ شَيْئًا ليشتريَه، فيقولُ لَهُ إنسانٌ: رُدَّهُ لأبيعَ منكَ خيرًا مِنْهُ وأرخصَ، أَوْ يقولُ لصاحبِه: اسْتَرِدَّهُ لأشتريَه منكَ بأكثرَ، وللتحريمِ فِي ذَلِكَ عندَ أصحابِ الشَّافعيِّ شرطانِ، أحدُهما: استقرارُ الثمنِ، فَأَمَّا مَا يُبَاعُ فيمَن يزيدُ، فللطالبِ أن يزيدَ عَلَى الطالبِ ويدخلَ عَلَيْهِ. وَالثَّانِي: أن يَحْصُلَ التراضي بَيْنَ المُتَسَاوِمَيْنِ صريحًا، فإنْ وُجِدَ مَا يدلُّ عَلَى الرضا مِن غيرِ تصريحٍ، فوجهانِ، وَلَيْسَ السكوتُ بمجرَّدِهِ مِن دلائلِ الرضا عندَ الأكثرينَ مِنْهُمْ.

وَأَمَّا قولُه: (( وَلاَ تَنَاجَشُوا ) ). فَهُوَ مِن المَنْهِيَّاتِ لأجلِ الضررِ، وَهُوَ أن يزيدَ فِي سلْعَةٍ تُبَاعُ ليَغُرَّ غيرَه، وَهُوَ راغبٌ فِيهَا، واخْتُلِفَ فِي اشتقاقِ اللفظةِ، فقيلَ: إِنَّهَا مَأْخُوذَةٌ مِن معنى الإِثارةِ، كأنَّ الناجِشَ يثيرُ هِمَّةَ مَن يَسْمَعُه للزيادةِ، وكأنه مأخوذٌ مِن إثارةِ الوحشِ مِن مكانٍ إِلَى مكانٍ. وقيلَ: أصلُ اللفظةِ مدحُ الشيءِ وإطراؤُه، وَلاَ شكَّ أن هَذَا الفعلَ حرامٌ، لما فِيهِ من الخديعةِ.

وَقَالَ بَعْضُ الفقهاءِ بأن البيعَ باطلٌ، ومذهبُ الشَّافعيِّ أن البيعَ صحيحٌ، وَأَمَّا إثباتُ الخيارِ للمُشْتَرِي الَّذِي غُرَّ بالنَّجْشِ، فإن لم يكن النجشُ عن مواطأةٍ مِن البائعِ، فَلاَ خيارَ عندَ أصحابِ الشَّافعيِّ.

وَأَمَّا (( بيعُ الحاضرِ للبادِي ) ). فمِن البيوعِ المنهيِّ عَنْهَا لأجلِ الضررِ أَيْضًا، وصورتُه أن يَحْمِلَ البدويُّ أَوْ القَرَوِيُّ متاعَه إِلَى البلدِ ليبيعَه بسعرِ يومِه ويرجعُ، فيأتيه البلديُّ فيقولُ: ضعْه عندي لأبيعَه عَلَى التدريجِ بزيادةِ سعرٍ، وَذَلِكَ إضرارٌ بأهلِ البلدِ، وحرامٌ إن عَلِمَ بالنهيِ. وتصرَّفَ بَعْضُ الفقهاءِ من أصحابِ الشافعيِّ في ذَلِكَ، فقالُوا: شرطُه أن يظهرَ لِذَلِكَ المتاعِ المجلوبِ سعرٌ فِي البلدِ، فإن لم يظهرْ - لكثرتِه فِي البلدِ، أَوْ لقلَّةِ الطعامِ المجلوبِ - فَفِي التحريمِ وجهانِ، يُنْظرُ فِي أحدِهما إِلَى ظاهرِ اللفظِ، وَفِي الآخرِ إِلَى المعنى، وعدمِ الإِضرارِ، وتفويتِ الربحِ، أَوْ الرزقِ عَلَى النَّاسِ، وَهَذَا المعنى مُنْتَفٍ، وقالوا أَيْضًا: يُشْتَرَطُ أن يكونَ المتاعُ مِمَّا تعمُّ الحاجةُ إليه، دونَ مَا لاَ يُحْتَاجُ إليه إِلاَّ نادرًا، وأن يدعُوَ البلديُّ البدويَّ إِلَى ذَلِكَ، فإِن التَمَسَهُ البدويُّ مِنْهُ، فَلاَ بأسَ، وَلَوْ اسْتَشَارَهُ البدويُّ، فَهَلْ يُرْشِدُه إِلَى الادِّخارِ والبيعِ عَلَى التدريجِ؟ فِيهِ وجهانِ لأصحابِ الشَّافعيِّ.

واعلمْ أن أكثرَ هَذِهِ الأحكامِ قَدْ تدورُ بَيْنَ اعتبارِ المعنى واتِّبَاعِ اللفظِ، ولكن ينبغي أن يُنْظَرَ فِي المعنى إِلَى

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت