فهرس الكتاب

الصفحة 207 من 381

بعضُهُمْ.

المسألةُ الثامنةُ: قولُه: (( فهل تَجِدُ إِطعامَ ستِّينَ مسكينًا؟ ) )يدلُّ على وجوبِ إطعامِ هذا العدَدِ. ومَن قالَ بأنَّ الواجِبَ إطعامُ ستِّينَ مسكينًا فهذا الحديثُ يُرَدُّ عليهِ مِن وجهينِ. أحدُهمَا: أنه أضافَ (( الإطعامَ ) )الذي هو مصدرُ (( أطعَمَ ) )إِلَى ستِّينَ. ولا يكونُ ذلكَ موجودًا فِي حقِّ من أطْعَمَ عشرينَ مسكينًا ثلاثةَ أيَّامٍ. الثاني: أنَّ القولَ بإجزاءِ ذلكَ عملٌ بعلّةٍ مستنبطةٍ تعودُ على ظاهرِ النَّصِّ بالإبطالِ، وقد عُرفَ ما فِي ذلكَ فِي أصولِ الفِقْهِ.

المسألةُ التاسعةُ: (( العَرَقُ ) )بفتح العينِ، والرَّاءِ معًا: المِكْتَلُ من الخُوصِ. واحدُه (( عَرَقَةٌ ) )، وهي ضَفِيرَةٌ تُجمعُ إِلَى غيرِهَا. فيكونُ مِكْتلًا. وقد روي (( عَرْقٌ ) )بإسكانِ الرَّاءِ. وقد قيلَ: إنَّ العرَقَ يسَعُ خمسةَ عشَرَ صاعًا فأُخِذَ من ذلكَ: أنَّ إطعامَ كلِّ مسكين مُدٌّ؛ لأَنَّ الصاعَ أربعةُ أمدادٍ. وقد صُرفتْ هذه الخمسةَ عشرَ صاعًا إِلَى ستِّين مدًّا. وقسمت خمسةَ عشرَ إِلَى ستِّينَ برُبعٍ. فلكلِّ مسكينٍ رُبعُ صاعٍ، وهو مدٌّ.

المسألةُ العاشرةُ: (( اللاَّبَةُ ) )الحَرَّةُ. والمدينةُ تكتنفُهَا حَرَّتانِ. والحَرَّةُ حجارةٌ سُودٌ. وقيلَ فِي ضَحِكِ النبيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: إنَّهُ يُحتَمَلُ أن يكونَ لتبايُنِ حالِ الأعرابيِّ، حيثُ كانَ فِي الابتداءِ متحرِّقًا متلهِّفًا حاكمًا على نفسِهِ بالهلاكِ. ثمَّ انتقلَ إِلَى طلبِ الطّعَام لنفسِهِ. وقيلَ: وقد يكونُ من رحمةِ اللهِ تعالى، وتوسعتِهِ عليهِ، وإطعامِهِ لهُ هذَا الطَّعامَ، وإحلالهِ لهُ بعدَ أن كُلِّفَ إخراجَهُ.

المسألةُ الحاديةَ عشرةَ: قولُه عليهِ الصلاةُ و السَّلامُ: (( أطعَمْهُ أهلكَ ) )تباينت المذاهبُ فيهِ. فمِن قائلٍ يقولُ: هو دليلٌ على إسقاطِ الكفَّارَةِ عنهُ، لأنهُ لا يمكنُ أنْ يَصرِفَ كفارتَه إِلَى أهلهِ ونفسِه، وإذا تعذَّرَ أنْ تقعَ كفارةٌ، ولم يُبيِّن النبيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لهُ استقرارَ الكفارةِ فِي ذمَّتهِ إِلَى حينِ اليسارِ: لزمَ من مجموعِ ذلكَ سقوطُ الكفارةِ بالإعسارِ المقارنِ لسببِ وجوبِهَا وربَّمَا قُرِّرَ ذلكَ بالاستشهادِ بصدقةِ الفطرِ، حيثُ تسقُطُ بالإعسارِ المقارنِ لاستهلالِ الهلالِ. وهذا قولٌ للشافعيِّ، أعني سقوطَ هذهِ الكفارةِ بهذا الإعسارِ المقارنِ. ومِن قائلٍ يقولُ: لا تسقُطُ الكفارةُ بالإعسارِ المقارنِ. وهو مذهبُ مالكٍ. والصحيحُ مِن مذهبِ الشَّافعيِّ أيضًا. وبعدَ القولِ بهذَا المذهبِ فههنا طريقانِ. أحدُهما: منعُ مذهبِ أنْ لا تكونَ الكفارةُ أُخرجتْ فِي هذه الواقعة.

وأما قَولُهُ عَليهِ الصلاةُ و السلامُ: (( أطعَمْهُ أهلكَ ) )ففيه وجوهٌ. منها: ادِّعاءُ بعضِهِمْ أنهُ خاصٌّ بهذا الرَّجُلِ، أي يجزئُه أنْ يأكلَ من صدقةِ نفسِهِ لفقرهِ. فسوَّغهَا لهُ النبيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. ومنها: ادِّعاءُ أنه منسوخٌ. وهذانِ ضعيفانِ. إذْ لا دليلَ على التَّخصيصِ ولا على النَّسخِ. ومنها: أنْ تكونَ صُرفتْ إِلَى أهلِه لِأَنَّهُ فقيرٌ عاجزٌ، لا يجبُ عليهِ النفقةُ لعُسْرِهِ، وهم فقراءُ أيضًا، فجازَ إعطاءُ الكفارةِ عن نفسهِ لهُمْ. وقد جوَّزَ بعضُ أصحابِ الشَّافِعيِّ لِمَنْ لَزِمتْهُ الكفارةُ معَ الفقرِ أنْ يَصرِفهَا إِلَى أهلهِ وأولادِه. وهذا لا يتمُّ على روايةِ مَن رَوَى (( كُلْهُ وأطْعِمْهُ أهْلَكَ ) ).

ومنها: ما حكاهُ القاضي أنه قيلَ: لمَّا مَلَّكه إياهُ النبيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وهو محتاجٌ جازَ له أكلُها وإطعَامُهَا أهلَهُ

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت