المسألةُ الرَّابعةُ: الحديثُ دليلٌ على جَريانِ الخِصالِ الثَّلاثِ فِي كفارةِ الجماعِ. أعنِي: العتقَ، والصومَ، والإطعامَ. وقد وقعَ فِي كتابِ المدوَّنةِ من قولِ ابنِ القاسمِ: (( ولا يَعرفُ مالكٌ غيرَ الإطعامِ ) )فإنْ أُخِذَ على ظاهرِهِ - من عدمِ جريانِ العتقِ والصَّومِ فِي كفارةِ المُفطرِ - فهيَ مُعضلةٌ زَبَّاءُ ذاتُ وَبَرٍ لا يُهتدَى إِلَى توجيهِهَا، معَ مخالفَةِ الحديثِ، غيرَ أنَّ بعضَ المُحقِّقينَ منْ أصحابِه حملَ هذا اللفظَ، وتَأَوَّلَهُ على الاستحبَابِ فِي تقديمِ الإطعامِ على غيرهِ من الخِصَالِ، وذكرُوا وجوهًا فِي ترجيحِ الطَّعامِ على غيرهِ. منهَا: أنَّ اللهَ تعالى قد ذكرَه فِي القرآنِ رُخصَةً للقادِرِ. ونَسْخُ هذا الحُكمِ لا يلزمُ منهُ نسخُ الفضِيلةِ بالذِّكرِ والتعيينِ للإطعامِ، لاختيارِ اللهِ تعالى لهُ فِي حقِّ المفطرِ. ومنها: بقاءُ حكمِهِ فِي حقِّ المفطرِ للعُذْرِ، كالكِبَرِ والحَمْلِ والإرضَاعِ. ومنهَا: جريانُ حُكْمِهِ فِي حقِّ مَنْ أخَّرَ قضاءَ رمضانَ، حتى دخلَ رمضانُ ثانٍ. ومنهَا: مناسبةُ إيجابِ الإطعامِ لجَبْرِ فواتِ الصَّومِ الذِي هو إمساكٌ عن الطَّعامِ والشَّرابِ.
وهذهِ الوجوهُ لا تقاوِمُ ما دلًّ عليهِ الحديثُ مِن البداءةِ بالعِتْقِ، ثمَّ بالصومِ، ثمَّ بالإِطعامِ، فإِنَّ هذِه البداءةَ إِنْ لم تقتضِ وجوبَ التَّرتيبِ فلا أَقلَّ من أَنْ تقتضِي استحبابَه، ُ وقد وافقَ بعضُ أصحابِ مالكٍ على استحبابِ الترتيبِ على ما جاءَ في الحديثِ، وبعضهُمْ قالَ: إِنَّ الكفارةَ تختلفُ باختلافِ الأوقاتِ، ففِي وقتِ الشدائدِ تكونُ بالإِطعَامِ، وبعضهُمْ فرَّقَ بينَ الإِفطارِ بالجِماعِ، والإِفطارِ بغيرِه، وجعلَ الإِفطارَ بغيرِه، يكفَّرُ بالإِطعامِ لا غيرُ، وهذا أقربُ في مخالفةِ النصِّ من الأَوَّلِ.
المسألةُ الخامسةُ: إِذَا ثبتَ جريانُ الخصالِ الثلاثةِ - أعنِي العتقَ والصِّيامَ والإطعامَ فِي هذهِ الكفارَةِ - فهلْ هي على التَّرتيبٍ، أو علَى التخييرِ؟ اختلفُوا فيهِ، فمذهبُ مالكٍ: أنها على التخييرِ، ومذهبُ الشافعيِّ: أنها على الترتيبِ، وهو مذهبُ بعضِ أصحابِ مالكٍ، واستُدِلَّ على الترتيبِ في الوجوبِ بالترتيبِ فِي السُّؤالِ، وقولُهُ أوَّلًا (( هل تجدُ رقبةً تُعتِقُها؟ ) )ثم رتَّبَ الصومَ بعد العِتْق، ثم الإطعامَ بعدَ الصَّومِ، ونازَعَ القاضِي عياضٌ فِي ظهورِ دلالةِ الترتيبِ فِي السُّؤَالِ على ذلكَ، وقالَ: إِنَّ مثلَ هذا السؤالِ قد يستعملُ فيما هو على التَّخْييرِ، هذا أو معناهُ، وجعله يدلُّ علَى الأولويَّةِ مع التخييرِ، وَمِمَّا يقوِّي هذا الذِي ذكرَهُ القاضي: ما جاءَ في حديثِ كعبِ بنِ عُجرةَ مِن قولِ النبيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (( أَتجِدُ شاةً؟ ) )فقالَ: لاَ، قالَ: (( فصُمْ ثلاثَةَ أَيَّامٍ، أو أَطْعِمْ ستَّةَ مساكينَ ) )، ولا ترتيبَ بينَ الشَّاةِ والصَّومِ والإطعامِ , والتَّخييرُ فِي الفديةِ ثابتٌ بنصِّ القرآنِ.
المسألةُ السَّادسةُ: قولُه: (( هلْ تجِدُ رقبةً تُعتِقُهَا؟ ) )يَستَدِلُّ بهِ من يُجيزُ إعتاقَ الرَّقبةِ الكافرةِ فِي الكفَّارةِ، لأَجْلِ الإطلاقِ، ومَن يشترطُ الإيمانَ، يُقِّيدُ الإطلاقَ ههنا بالتَّقييدِ فِي كفارةِ القتْلِ، وهو يَنْبني عَلَى أنَّ السَّببَ إذا اختلفَ واتَّحدَ الحكمُ، هل يُقيَّدُ المطلقُ أم لا؟ وإذا قُيِّدَ، فهلْ هوَ بالقياسِ أم لا؟ والمسألةُ مشهورةٌ فِي أصولِ الفقِه، والأقربُ: أنَّهُ إنْ قُيِّدَ فبالقياسِ. واللهُ أعلمُ.
المسألةُ السابعةُ: قولُه: (( فهلْ تستطيعُ أنْ تصومَ شهرينِ متتابعينِ؟ ) )قال: لا, لا إشكالَ فِي هذهِ الروايةِ على الانتقالِ مِن الصَّومِ إِلَى الإطعامِ، لأنَّ الأعرابيَّ نفى الاستطاعةَ. وعندَ عدمِ الاستطاعةِ يَنْتَقِلُ إِلَى الصومِ. لكنْ فِي بعض الرِّواياتِ أنهُ قالَ: وهلْ أُتيتُ إلا مِن الصَّومِ؟ فاقتضَى ذلكَ عدمَ استطاعتِه، بسَببِ شدَّةِ الشَّبَقِ، وعدمِ الصَّبرِ فِي الصَّومِ عن الوقاعِ: فنشَأَ لأصحابِ الشَّافعيِّ نظرٌ فِي أنَّ هذا: هل يكونُ عُذرًا مُرَخِّصًا فِي الانتقالِ إِلَى الإطعامِ فِي حقِّ من هو كذلكَ، أعني شديدَ الشَّبَقِ؟ قال بذلكَ