فهرس الكتاب

الصفحة 132 من 381

وَمِنْهَا: أنَّ الرَّسولَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تكلَّم مُعتقدًا لتمامِ الصَّلاةِ، والصحابةُ تكلَّمُوا مجاوزينَ للنَّسخِ، فلمْ يكنْ كلامُ واحدٍ منهمْ مبطلًا، وَهَذَا يُضْعِفُهُ مَا فِي كتابِ مسلمٍ أنَّ ذا اليدينِ قَالَ: (( أَقَصُرْت الصلاةُ يَا رَسُولَ اللهِ أمْ نسيتَ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (( كلُّ ذَلِكَ لمْ يكنْ ) )فَقَالَ: قَدْ كَانَ بعضُ ذَلِكَ يَا رَسُولَ اللهِ، فأقبلَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى النَّاسِ، فَقَالَ: (( أَصدَقَ ذُو اليدينِ؟ ) )فقالُوا: نعمْ يَا رَسُولَ اللهِ )) بَعدَ قولهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (( كلُّ ذَلِكَ لمْ يكنْ ) )وقولُهُ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (( كلُّ ذَلِكَ لمْ يكنْ ) )يدلُّ عَلَى عدمِ النَّسخِ، فَقَدْ تكلَّموا بعدَ العلمِ بعدمِ النَّسخِ.

ولنُتَنَبَّهْ ههنَا لنُكتةٍ لطيفةٍ فِي قولِ ذِي اليدينِ: قَدْ كَانَ بعضُ ذَلِكَ بعدَ قولهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (( كلُّ ذَلِكَ لمْ يكنْ ) )فإنَّ قولَه: (( كلُّ ذَلِكَ لمْ يكنْ ) )تضمَّنَ أمرينِ: أحدُهما: الإِخبارُ عن حكمٍ شرعيٍّ، وَهُوَ عدمُ القصر. والثاني: الإِخبارُ عنْ أمرٍ وجوديٍّ، وَهُوَ النِّسيانُ، وأحدُ هذينِ الأمرينِ لاَ يجوزُ فِيْهِ النسخُ، وَهُوَ الإِخبارُ عنِ الأمرِ الشَّرعيِّ، والآخرُ متحقِّقٌ عندَ ذِي اليدينِ، فلزمَ أنْ يكونَ الواقعُ بعضَ ذَلِكَ، كَمَا ذكرَنا.

الخامسُ: الأفعالُ التي ليستْ مِنْ جِنْسِ أفعالِ الصَّلاةِ إِذَا وقعتْ سَهوًا، فَإمَّا أنْ تكونَ قليلةً أَوْ كثيرةً، فإن كانتْ قليلةً لم تُبطلِ الصَّلاةَ، وإن كانتْ كثيرةً ففيهَا خلافٌ فِي مذهبِ الشَّافعيِّ، واستُدلَّ لعدمِ البطلانِ بِهَذَا الحديثِ، فإنَّ الواقعَ فِيْهِ أفعالٌ كثيرةٌ، ألا تَرى إِلَى قولهِ: (( خرجَ سَرَعانُ النَّاسِ ) )وَفِي بعضِ الرِّواياتِ أنَّهُ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (( خرجَ إِلَى منزلهِ ومشَى ) )قَالَ فِي كتابِ مُسلمٍ: (( ثُمَّ أتَى جِذْعًا فِي قِبْلَةِ المسجدِ فاستندَ إِلَيْهِ ) )ثُمَّ قَدْ حصلَ البناءُ بعدَ ذَلِكَ، فدلَّ عَلَى عدمِ بطلانِ الصَّلاةِ بالأفعالِ الكثيرةِ سهوًا.

السَّادسُ: فِيْهِ دليلُ جوازِ البناءِ عَلَى الصَّلاةِ بعدَ السلامِ سهوًا، والجمهورُ عَلَيْهِ، وذهبَ سُحْنونُ - مِنَ المالكيَّةِ - إِلَى أنَّ ذَلِكَ إِنَّمَا يكونُ إِذَا سلَّمَ مِنْ ركعتينِ، عَلَى مَا وردَ فِي الحديثِ، ولعلَّهُ رأَى أنَّ البناءَ بعدَ قطعِ الصَّلاةِ ونيةِ الخروجِ مِنْهَا عَلَى خلافِ القياسِ، وَإِنَّمَا وردَ النصُّ عَلَى خلافِ القياسِ فِي هَذِهِ الصُّورةِ المعيَّنةِ، وَهُوَ السَّلامُ مِن اثنتينِ، فيُقصَرُ عَلَى مَا وردَ النصُّ [ويبقَى فيما عداهُ عَلَى القياسِ] .

والجوابُ عَنْهُ أنَّهُ إِذَا كَانَ الفرعُ مساويًا للأصلِ أُلحِقَ بِهِ، وإِنْ خالفَ القياسَ عندَ بعضِ أهلِ الأُصولِ، وَقَدْ علمنَا أنَّ المانعَ لصحَّةِ الصَّلاةِ إِنَّمَا كَانَ هُوَ الخروجُ مِنْهَا بالنِّيَّةِ والسَّلامِ، وَهَذَا المعنَى قَدْ أُلغيَ عندَ ظنِّ التَّمامِ بالنَّصِّ، وَلاَ فرقَ بالنِّسبةِ إِلَى هَذَا المعنَى بَيْنَ كونِه بعدَ ركعتينِ، أَوْ كونِه بعدَ ثلاثةٍ، أَوْ بعدَ واحدةٍ.

السابعُ: إِذَا قُلْنَا بجوازِ البناءِ فَقَدْ خصَّصوهُ بالقربِ فِي الزَّمنِ، وأبَى ذَلِكَ بعضُ المتقدِّمينَ، فَقَالَ بجوازِ البناءِ، وإنْ طالَ، مَا لمْ ينتقَضْ وَضُوؤه، رُويَ ذَلِكَ عن ربيعةَ، وقيلَ: إنَّ نحوهَ عن مالكٍ، وَلَيْسَ ذَلِكَ بمشهورٍ عَنْهُ، واستُدلَّ لِهَذَا المذهبِ بِهَذَا الحديثِ، ورأوْا أنَّ هَذَا الزَّمنَ طويلٌ، لاسيَّما عَلَى روايةِ مَن روَى (( أَنَّ النبيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خرجَ إِلَى منزلِه ) ).

الثَّامنُ: إِذَا قُلْنَا: إنهُ لاَ يَبِني إلاَّ فِي القُربِ، فَقَد اخْتلفُوا فِي حَدِّهِ عَلَى أقوالٍ: منهم مَن اعتبرَهُ بمقدارِ فعلِ النبيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي هَذَا الحديثِ، فَمَا زادَ عَلَيْهِ مِنَ الزَّمنِ فَهُوَ طويلٌ، وَمَا كَانَ بمقدارهِ أَوْ دونهُ فقريبٌ، ولم يذكرُوا عَلَى هَذَا القولِ الخروجَ إِلَى المنزلِ. ومنهمْ مَن اعتبرَ فِي القربِ العرفَ. ومنهمْ مَن اعتبرَ مقدارَ ركعةٍ. ومنهمْ مَن اعتبرَ مقدارَ الصَّلاةِ. وَهَذِهِ الوجوهُ كلُّها فِي مذهبِ الشَّافعيِّ وأصحابِه.

التاسعُ: فِيْهِ دليلٌ عَلَى مشروعيةِ سجودِ السَّهوِ.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت