واعلمْ أنَّه قَدْ وردَ فِي الصَّحيحِ مِن حديثِ ابنِ مسعودٍ أنَّ النبيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: (( إنَّه لَوْ حدثَ فِي الصَّلاةِ شيءٌ أنبأتُكمْ بِهِ، ولكنْ إِنَّمَا أنا بشرٌ أَنسىَ كَمَا تَنسونَ، فَإِذَا نسيتُ فذكِّرونِي ) )، وَهَذَا يَعترضُ مَا ذكرهُ القاضِي مِنْ أنهُ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أنكرَ نسبةَ النِّسيانِ إِلَيْهِ، فإنه صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَدْ نَسبَ النِّسيانَ إِلَيْهِ فِي حديثِ ابنِ مسعودٍ مرَّتينِ، وَمَا ذكرهُ القاضِي عياضٌ مِنْ أنَّه صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (( نهَى أنْ يقالَ: نسيتُ كذا ) )الَّذِي أعرفُهُ فِيْهِ: (( بئسمَا لأحدِكُمْ أنْ يقولَ: نسيتُ آيةَ كذَا ) )، وَهَذَا نهيٌ عن إضافةِ (( نسيتُ ) )إِلَى (( الآيةِ ) )وَلَيْسَ يلزمُ مِنَ النَّهيِ عنْ إضافةِ النِّسيانِ إِلَى الآيةِ النَّهيُ عن إضافتِه إِلَى كلِّ شيءٍ، فإنَّ الآيةَ مِن كلامِ اللهِ تَعَالَى المعظَّمِ، ويقبُحُ بالمرءِ المُسلمِ أنْ يضيفَ إِلَى نفسِهِ نسيانَ كلامِ اللهِ تَعَالَى، وَلَيْسَ هَذَا المعنَى موجودًا فِي كلِّ مَا يُنسبُ إِلَيْهِ النِّسيانُ، فَلاَ يلزمُ مساواةُ غيرِ الآيةِ لَهَا.
وَعَلَى كلِّ تقديرٍ لَوْ لمْ يظهرْ مُناسبةٌ لمْ يلزَمْ منَ النَّهيِ عنِ الخاصِّ النَّهيُ عِن العامِّ، وَإِذَا لمْ يلزمْ ذَلِكَ لم يلزمْ أَنْ يكونَ قولُ القائِلِ: (( نسيتُ ) )- الَّذِي أضافهُ إِلَى عددِ الرَّكعاتِ - داخلًا تحتَ النَّهيِ، فينكرُ، واللهُ أعلمُ.
ولمَّا تكلَّمَ بعضُ المتأخِّرينَ عَلَى هَذَا الموضعِ ذكرَ أنَّ التحقيقَ فِي الجوابِ عن ذَلِكَ أنَّ العصمةَ إِنَّمَا تثبتُ فِي الإِخبارِ عنِ اللهِ فِي الأحكامِ وغيرِها، لأنهُ الَّذِي قامتْ عَلَيْهِ المعجزةُ، وَأَمَّا إخبارهُ عن الأمورِ الوجوديةِ، فيجوزُ عَلَيْهِ فِيْهِ النِّسيانُ، هَذَا أَوْ معناهُ.
وَأَمَّا البحثُ المتعلِّقُ بأصولِ الفقهِ، فإنَّ بعضَ مَن صنَّفَ فِي ذَلِكَ احتجَّ بِهِ عَلَى جوازِ الترجيحِ بكثرةِ الرُّواةِ، مِن حَيْثُ إنَّ النبيَّ صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّمَ طلبَ إخبارَ القومِ، بعدَ إخبارِ ذِي اليدينِ، وَفِي هَذَا بحثٌ.
وَأَمَّا البحثُ المتعلِّقُ بالفقهِ، فمِن وجوهٍ:
أحدُها: أنَّ نيةَ الخروجِ من الصَّلاةِ وقطعِها إِذَا كانتْ بناءً عَلَى ظنِّ التَّمامِ لاَ يُوجبُ بطلانَها.
الثَّانِي: أنَّ السَّلامَ سهوًا لاَ يُبطل الصَّلاةَ.
الثالثُ: استدلَّ بِهِ بعضُهم عَلَى أنَّ كلامَ النَّاسِي لاَ يُبطلُ الصَّلاةَ، وأبو حنيفةَ يخالفُ فِيْهِ.
الرابعُ: الكلامُ العمدُ لإِصلاحِ الصَّلاةِ لاَ يُبطلُ، وجمهورُ الفقهاءِ عَلَى أنَّهُ يُبطلُ. وروى ابنُ القاسمِ، عن مالكٍ أنَّ الإِمامَ لَوْ تكلَّمَ بِمَا تكلَّم بِهِ النبيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ منَ الاستفسارِ والسُّؤالِ عندَ الشَّكِّ، وإجابةُ المأمومِ أنَّ صلاتَهُمْ تامَّةٌ عَلَى مقتضى الحديثِ، والذينَ منعُوا من هَذَا اختلفُوا فِي الاعتذارِ عن هَذَا الحديثِ، وَالَّذِي يُذكرُ فِيْهِ وجوهٌ:
مِنْهَا: أنهُ منسوخٌ لجوازِ أن يكونَ فِي الزَّمنِ الَّذِي كَانَ يجوزُ فِيْهِ الكلامُ فِي الصَّلاةِ، وَهَذَا لاَ يصحُّ، لأنَّ هَذَا الحديثَ رواهُ أبو هريرةَ، وذَكرَ أنه شاهَدَ القصَّةَ، وإسلامُهُ عامَ خيبرَ، وتحريمُ الكلامِ فِي الصَّلاةِ كَانَ قبلَ ذَلِكَ بسنينَ - وَلاَ يُنسخُ المتأخِّرُ بالمتقدِّمِ.
وَمِنْهَا: التأويلُ لكلامِ الصَّحابةِ بأنَّ المرادَ بجوابِهمْ جوابهُم بالإِشارةِ والإِيماءِ، لاَ بالنُّطقِ، وفيه بُعْدٌ، لأنه خلافُ الظَّاهِر من حكايةِ الرَّاوِي لقولِهمْ، وإن كَانَ قَدْ وردَ من حديثِ حمادِ بنِ زيدٍ: (( فأَوْمَأُوا إِلَيْهِ ) )، فيمكنُ الجمعُ بأنْ يكونَ بعضُهم فعلَ ذَلِكَ إيماءً، وبعضُهم كلامًا، أَوْ اجتمعَ الأمرانِ فِي حقِّ بعضِهم.
وَمِنْهَا أنَّ كلامَهم كَانَ إجابةً لرَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وإجابتُه واجبةٌ، واعتَرضَ عَلَيْهِ بعضُ المالكيَّةِ بأنْ قَالَ: إنَّ الإِجابةَ لاَ تتعيَّنُ بالقولِ، فيكفِي فيهَا الإِيماءُ، وَعَلَى تقديرِ أنْ يُجيبَ القومُ لاَ يلزمُ مِنْهُ الحكمُ بصحَّةِ الصَّلاةِ، لجوازِ أنْ تجبَ الإِجابةُ، ويلزمُهُم الاستئنافُ.