وهذا الوجه أولى من قول من قال: {أراد وَنَفْسٍ وَما سَوَّاها} [الشمس/ 7] ، يعني الله تعالى «1» ، فإنّ «ما» لا يعبّر به عن الله تعالى، إذ هو موضوع للجنس، ولم يرد به سمع يصحّ، وأمّا قوله: {سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى الَّذِي خَلَقَ فَسَوَّى} [الأعلى/ 1 - 2] ، فالفعل منسوب إليه تعالى، وكذا قوله: {فَإِذا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي} [الحجر/ 29] ، وقوله: {رَفَعَ سَمْكَها فَسَوَّاها} [النازعات/ 28] ، فَتَسْوِيَتُهَا يتضمّن بناءها، وتزيينها المذكور في قوله: {إِنَّا زَيَّنَّا السَّماءَ الدُّنْيا بِزِينَةٍ الْكَواكِبِ} [الصافات/ 6] .
والسَّوِيُّ يقال فيما يصان عن الإفراط، والتّفريط من حيث القدر، والكيفيّة. قال تعالى: {ثَلاثَ لَيالٍ سَوِيًّا} [مريم/ 10] ، وقال تعالى: {مَنْ أَصْحابُ الصِّراطِ السَّوِيِّ} [طه/ 135] ، ورجل سويّ: استوت أخلاقه وخلقته عن الإفراط والتّفريط، وقوله تعالى: {عَلى أَنْ نُسَوِّيَ بَنانَهُ} [القيامة/ 4] ، قيل: نجعل كفّه كخفّ الجمل لا أصابع لها، وقيل: بل نجعل أصابعه كلّها على قدر واحد حتى لا ينتفع بها، وذاك أنّ الحكمة في كون الأصابع متفاوتة في القدر والهيئة ظاهرة، إذ كان تعاونها على القبض أن تكون كذلك، وقوله: {فَدَمْدَمَ عَلَيْهِمْ رَبُّهُمْ بِذَنْبِهِمْ فَسَوَّاها} [الشمس/ 14] ، أي: سوّى بلادهم بالأرض، نحو: {خاوِيَةٌ عَلى عُرُوشِها} [الكهف/ 42] ، وقيل: سوّى بلادهم بهم، نحو: {لَوْ تُسَوَّى بِهِمُ الْأَرْضُ} [النساء/ 42] ، وذلك إشارة إلى ما قال عن الكفّار: يَقُولُ الْكافِرُ يا لَيْتَنِي كُنْتُ تُرابًا [النبأ/ 40] ، ومكان سُوىً، وسَوَاءٌ: وسط.
ويقال: سَوَاءٌ، وسِوىً، وسُوىً أي: يستوي طرفاه، ويستعمل ذلك وصفا وظرفا، وأصل ذلك مصدر، وقال: {فِي سَواءِ الْجَحِيمِ} [الصافات/ 55] ، {وسَواءَ السَّبِيلِ} [القصص/ 22] ، {فَانْبِذْ إِلَيْهِمْ عَلى سَواءٍ} [الأنفال/ 58] ، أي: عدل من الحكم، وكذا قوله: {إِلى كَلِمَةٍ سَواءٍ بَيْنَنا وَبَيْنَكُمْ} [آل عمران/ 64] ، وقوله: {سَواءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ} [البقرة/ 6] ، {سَواءٌ عَلَيْهِمْ أَسْتَغْفَرْتَ لَهُمْ} [المنافقون/ 6] ، {سَواءٌ عَلَيْنا أَجَزِعْنا أَمْ صَبَرْنا} [إبراهيم/ 21] ، أي: يَسْتَوِي الأمران في أنهما لا يغنيان سَواءً الْعاكِفُ فِيهِ وَالْبادِ [الحج/ 25] ، وقد يستعمل سِوىً وسَوَاءٌ بمعنى غير، قال الشاعر:
فلم يبق منها سوى هامد «2»
وقال آخر:
وما قصدت من أهلها لِسَوَائِكَا «3»
وعندي رجل سِوَاكَ، أي: مكانك، وبدلك، والسِّيُّ: المساوي، مثل: عدل ومعادل، وقتل ومقاتل، تقول: سِيَّانِ زيد وعمرو، وأَسْوَاءٌ جمع سِيٍّ، نحو: نقض وأنقاض، يقال: قوم أسواء، ومستوون، والمساواة متعارفة في المثمنات، يقال: هذا الثّوب يساوي كذا، وأصله من سَاوَاهُ في القدر، قال: {حَتَّى إِذا ساوى بَيْنَ الصَّدَفَيْنِ} [الكهف/ 96] .
(1) وهو قول ابن جرير 30/ 210. قال: و «ما» موضع «من» .
(2) هذا شطر بيت، وعجزه:
وسفع الخدود معا والنؤي
وهو لأبي ذؤيب الهذلي، في ديوان الهذليين 1/ 66، والبصائر 3/ 187.
(3) هذا عجز بيت، وصدره:
تجانف عن أهل اليمامة ناقتي
وهو للأعشى في ديوانه ص 131، واللسان (سوى) ، والبصائر 3/ 87، والمجمل 2/ 477.