فهرس الكتاب

الصفحة 34 من 1755

{وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ وَبِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ(4)}

(نزل)

النُّزُولُ في الأصل هو انحِطَاطٌ من عُلْوّ.

يقال: نَزَلَ عن دابَّته، ونَزَلَ في مكان كذا: حَطَّ رَحْلَهُ فيه، وأَنْزَلَهُ غيرُهُ. قال تعالى: {أَنْزِلْنِي مُنْزَلًا مُبارَكًا وَأَنْتَ خَيْرُ الْمُنْزِلِينَ} [المؤمنون/ 29] ونَزَلَ بكذا، وأَنْزَلَهُ بمعنًى، وإِنْزَالُ الله تعالى نِعَمَهُ ونِقَمَهُ على الخَلْق، وإعطاؤُهُم إيّاها، وذلك إمّا بإنزال الشيء نفسه كإنزال القرآن، وإمّا بإنزال أسبابه والهداية إليه، كإنزال الحديد واللّباس، ونحو ذلك، قال تعالى: {الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنْزَلَ عَلى عَبْدِهِ الْكِتابَ} [الكهف/ 1] ، {اللَّهُ الَّذِي أَنْزَلَ الْكِتابَ} [الشورى/ 17] ، {وَأَنْزَلْنَا الْحَدِيدَ} [الحديد/ 25] ، {وَأَنْزَلْنا مَعَهُمُ الْكِتابَ وَالْمِيزانَ} [الحديد/ 25] ، {وَأَنْزَلَ لَكُمْ مِنَ الْأَنْعامِ ثَمانِيَةَ أَزْواجٍ} [الزمر/ 6] ، {وَأَنْزَلْنا مِنَ السَّماءِ ماءً طَهُورًا} [الفرقان/ 48] ، {وَأَنْزَلْنا مِنَ الْمُعْصِراتِ ماءً ثَجَّاجًا} [النبأ/ 14] ، {وأَنْزَلْنا عَلَيْكُمْ لِباسًا يُوارِي سَوْآتِكُمْ} [الأعراف/ 26] ، {أَنْزِلْ عَلَيْنا مائِدَةً مِنَ السَّماءِ} [المائدة/ 114] ، {أَنْ يُنَزِّلَ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ عَلى مَنْ يَشاءُ مِنْ عِبادِهِ} [البقرة/ 90] ومن إنزال العذاب قوله: {إِنَّا مُنْزِلُونَ عَلى أَهْلِ هذِهِ الْقَرْيَةِ رِجْزًا مِنَ السَّماءِ بِما كانُوا يَفْسُقُونَ} [العنكبوت/ 34] . والفَرْقُ بَيْنَ الإِنْزَالِ والتَّنْزِيلِ في وَصْفِ القُرآنِ والملائكةِ أنّ التَّنْزِيل يختصّ بالموضع الذي يُشِيرُ إليه إنزالُهُ مفرَّقًا، ومرَّةً بعد أُخْرَى، والإنزالُ عَامٌّ، فممَّا ذُكِرَ فيه التَّنزيلُ قولُه: نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ [الشعراء/ 193] وقرئ: نزل «1» {وَنَزَّلْناهُ تَنْزِيلًا} [الإسراء/ 106] ، {إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ} [الحجر/ 9] ، {لَوْلا نُزِّلَ هذَا الْقُرْآنُ} [الزخرف/ 31] ، {وَلَوْ نَزَّلْناهُ عَلى بَعْضِ الْأَعْجَمِينَ} [الشعراء/ 198] ، {ثُمَّ أَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ} [التوبة/ 26] ، {وَأَنْزَلَ جُنُودًا لَمْ تَرَوْها} [التوبة/ 26] ، {لَوْلا نُزِّلَتْ سُورَةٌ} [محمد/ 20] ، {فَإِذا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ مُحْكَمَةٌ} [محمد/ 20] فإنَّما ذَكَرَ في الأوّلِ «نُزِّلَ» ، وفي الثاني «أُنْزِلَ» تنبيهًا أنّ المنافقين يَقْتَرِحُونَ أن يَنْزِلَ شَيْءٌ فَشَيْءٌ من الحثِّ على القِتَال لِيَتَوَلَّوْهُ، وإذا أُمِرُوا بذلك مَرَّةً واحدةً تَحَاشَوْا منه فلم يفعلوه، فهم يَقْتَرِحُونَ الكثيرَ ولا يَفُونَ منه بالقليل. وقوله: {إِنَّا أَنْزَلْناهُ فِي لَيْلَةٍ مُبارَكَةٍ} [الدخان/ 3] ، {شَهْرُ رَمَضانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ} [البقرة/ 185] ، {إِنَّا أَنْزَلْناهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ} [القدر/ 1] وإنّما خُصَّ لفظُ الإنزالِ دُونَ التَّنزيلِ، لما رُوِيَ: (أنّ القرآن نَزَلَ دفعةً واحدةً إلى سماءِ الدُّنيا، ثمّ نَزَلَ نَجْمًا فَنَجْمًا) «2» .

وقوله تعالى: {الْأَعْرابُ أَشَدُّ كُفْرًا وَنِفاقًا وَأَجْدَرُ أَلَّا يَعْلَمُوا حُدُودَ ما أَنْزَلَ اللَّهُ عَلى رَسُولِهِ} [التوبة/ 97] فَخَصَّ لفظَ الإنزالِ ليكونَ أعمَّ، فقد تقدَّم أنّ الإنزال أعمُّ من التَّنزيلِ، قال تعالى: {لَوْ أَنْزَلْنا هذَا الْقُرْآنَ عَلى جَبَلٍ} [الحشر/ 21] ، ولم يقل: لو نَزَّلْنَا، تنبيهًا أنَّا لو خَوَّلْنَاهُ مَرَّةً ما خَوَّلْنَاكَ مِرَارًا {لَرَأَيْتَهُ خاشِعًا} [الحشر/ 21] .

وقوله: {قَدْ أَنْزَلَ اللَّهُ إِلَيْكُمْ ذِكْرًا رَسُولًا يَتْلُوا عَلَيْكُمْ آياتِ اللَّهِ} [الطلاق/ 10 - 11] فقد قيل: أراد بإنزالِ الذِّكْرِ هاهنا بِعْثَةَ النبيِّ عليه الصلاة والسلام، وسمَّاه ذكرًا كما سُمِّيَ عيسى عليه السلام كلمةً، فعَلَى هذا يكون قوله: «رَسُولًا» بدلا من قوله: «ذِكْرًا» ، وقيل: بل أراد إنزالَ ذِكْرِهِ، فيكونُ «رسولًا» مفعولًا لقوله: {ذِكْرًا} . أي: ذِكْرًا رَسُولًا.

وأمّا التَّنَزُّلُ فهو كالنُّزُولِ به، يقال: نَزَلَ المَلَكُ بكذا، وتَنَزَّلَ، ولا يقال: نَزَلَ الله بكذا ولا تَنَزَّلَ، قال: {نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ} [الشعراء/ 193] وقال: {تَنَزَّلُ الْمَلائِكَةُ} [القدر/ 4] ، {وَما نَتَنَزَّلُ إِلَّا بِأَمْرِ رَبِّكَ} [مريم/ 64] ، {يَتَنَزَّلُ الْأَمْرُ بَيْنَهُنَ} [الطلاق/ 12] ولا يقال في المفتَرَى والكَذِبِ وما كان من الشَّيطان إلَّا التَّنَزُّلُ: وَما تَنَزَّلَتْ بِهِ الشَّياطِينُ [الشعراء/ 210] ، {عَلى مَنْ تَنَزَّلُ الشَّياطِينُ تَنَزَّلُ} الآية [الشعراء/ 221 - 222] .

والنُّزُلُ: ما يُعَدُّ للنَّازل من الزَّاد، قال: {فَلَهُمْ جَنَّاتُ الْمَأْوى نُزُلًا} [السجدة/ 19] وقال: {نُزُلًا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ} [آل عمران/ 198] وقال في صفة أهل النار: {لَآكِلُونَ مِنْ شَجَرٍ مِنْ زَقُّومٍ} إلى قوله: {هذا نُزُلُهُمْ يَوْمَ الدِّينِ} «3» ، {فَنُزُلٌ مِنْ حَمِيمٍ} [الواقعة/ 93] . وأَنْزَلْتُ فلانا: أَضَفْتُهُ. ويُعَبَّرُ بِالنَّازِلَةِ عن الشِّدَّة، وجَمْعُهَا نَوَازِلُ، والنِّزَالُ في الحرْبِ:

المُنَازَلة، ونَزَلَ فلانٌ: إذا أتى مِنًى، قال الشاعر:

أَنَازِلَةٌ أَسْمَاءُ أَمْ غَيْرُ نَازِلَةٍ «4»

والنُّزَالَةُ والنُّزْلُ يُكَنَّى بهما عن ماءِ الرَّجُل إذا خَرَجَ عنه، وطعامٌ نُزُلٌ، وذو نُزُلٍ: له رَيْعٌ، وَحَظٌّ نَزِلٌ: مُجْتَمَعٌ، تشبيهًا بالطَّعامِ النُّزُلِ.

(1) وهي قراءة ابن عامر وشعبة وحمزة والكسائي ويعقوب وخلف. الإتحاف ص 334.

(2) أخرج ابن مردويه عن ابن عباس في قوله تعالى: إِنَّا أَنْزَلْناهُ فِي لَيْلَةٍ مُبارَكَةٍ قال: أنزل القرآن في ليلة القدر، ثم نزل به جبريل على رسول الله نجوما بجواب كلام الناس.

وأخرج سعيد بن منصور عن إبراهيم النخعي في الآية قال: نزل القرآن جملة على جبريل، وكان جبريل يجيء بعد إلى النبي صلّى الله عليه وسلم. الدر المنثور 7/ 398.

(3) الآيات: {لَآكِلُونَ مِنْ شَجَرٍ مِنْ زَقُّومٍ فَمالِؤُنَ مِنْهَا الْبُطُونَ فَشارِبُونَ عَلَيْهِ مِنَ الْحَمِيمِ فَشارِبُونَ شُرْبَ الْهِيمِ هذا نُزُلُهُمْ يَوْمَ الدِّينِ} [الواقعة/ 52 - 56] .

(4) الشطر لعامر بن الطفيل، وعجزه:

أبيني لنا يا أسم ما أنت فاعله

وهو في ديوانه ص 104، وشرح المقصورة لابن هشام اللخمي ص 262، والمجمل 3/ 864.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت