فهرس الكتاب

الصفحة 600 من 1755

{إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ إِنَّ اللَّهَ نِعِمَّا يَعِظُكُمْ بِهِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ سَمِيعًا بَصِيرًا(58)}

(حكم)

حَكَمَ أصله: منع منعا لإصلاح، ومنه سميت اللّجام: حَكَمَة الدابّة، فقيل: حكمته وحَكَمْتُ الدّابة: منعتها بالحكمة، وأَحْكَمْتُهَا: جعلت لها حكمة، وكذلك: حكمت السفيه وأحكمته، قال الشاعر:

أبني حنيفة أحكموا سفهاءكم «1»

وقوله: {أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ} [السجدة/ 7] ، {فَيَنْسَخُ اللَّهُ ما يُلْقِي الشَّيْطانُ ثُمَّ يُحْكِمُ اللَّهُ آياتِهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ} [الحج/ 52] ، والحُكْم بالشيء: أن تقضي بأنّه كذا، أو ليس بكذا، سواء ألزمت ذلك غيره أو لم تلزمه، قال تعالى: {وَإِذا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ} [النساء/ 58] ، {يَحْكُمُ بِهِ ذَوا عَدْلٍ مِنْكُمْ} [المائدة/ 95] ، وقال:

فاحكم كحكم فتاة الحيّ إذا نظرت ... إلى حمام سراع وارد الثّمد «2»

والثّمد: الماء القليل، وقيل معناه: كن حكيما.

وقال عزّ وجلّ: {أَفَحُكْمَ الْجاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ} [المائدة/ 50] ، وقال تعالى: {وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ} [المائدة/ 50] ، ويقال: حَاكِم وحُكَّام لمن يحكم بين الناس، قال الله تعالى: {وَتُدْلُوا بِها إِلَى الْحُكَّامِ} [البقرة/ 188] ، والحَكَمُ: المتخصص بذلك، فهو أبلغ. قال الله تعالى: {أَفَغَيْرَ اللَّهِ أَبْتَغِي حَكَمًا} [الأنعام/ 114] ، وقال عزّ وجلّ: {فَابْعَثُوا حَكَمًا مِنْ أَهْلِهِ وَحَكَمًا مِنْ أَهْلِها} [النساء/ 35] ، وإنما قال: حَكَمًا ولم يقل: حاكما، تنبيها أنّ من شرط الحكمين أن يتوليا الحكم عليهم ولهم حسب ما يستصوبانه من غير مراجعة إليهم في تفصيل ذلك، ويقال الحكم للواحد والجمع، وتحاكمنا إلى الحاكم.

قال تعالى: {يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ} [النساء/ 60] ، وحَكَّمْتُ فلانا، قال تعالى: {حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيما شَجَرَ بَيْنَهُمْ} [النساء/ 65] .

فإذا قيل: حكم بالباطل، فمعناه: أجرى الباطل مجرى الحكم.

والحِكْمَةُ: إصابة الحق بالعلم والعقل، فالحكمة من الله تعالى: معرفة الأشياء وإيجادها على غاية الإحكام، ومن الإنسان: معرفة الموجودات وفعل الخيرات.

وهذا هو الذي وصف به لقمان في قوله عزّ وجلّ: {وَلَقَدْ آتَيْنا لُقْمانَ الْحِكْمَةَ} [لقمان/ 12] ، ونبّه على جملتها بما وصفه بها، فإذا قيل في الله تعالى: هو حَكِيم «3» ، فمعناه بخلاف معناه إذا وصف به غيره، ومن هذا الوجه قال الله تعالى: {أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَحْكَمِ الْحاكِمِينَ} [التين/ 8] ، وإذا وصف به القرآن فلتضمنه الحكمة، نحو: {الر تِلْكَ آياتُ الْكِتابِ الْحَكِيمِ} [يونس/ 1] ، وعلى ذلك قال: {وَلَقَدْ جاءَهُمْ مِنَ الْأَنْباءِ ما فِيهِ مُزْدَجَرٌ حِكْمَةٌ بالِغَةٌ} [القمر/ 4 - 5] ، وقيل: معنى الحكيم المحكم «4» ، نحو: {أُحْكِمَتْ آياتُهُ} [هود/ 1] ، وكلاهما صحيح، فإنه محكم ومفيد للحكم، ففيه المعنيان جميعا، والحكم أعمّ من الحكمة، فكلّ حكمة حكم، وليس كل حكم حكمة، فإنّ الحكم أن يقضى بشيء على شيء، فيقول: هو كذا أو ليس بكذا.

(1) الشطر لجرير، وهو في ديوانه ص 47، والمجمل 1/ 246، وأساس البلاغة ص 91. وعجزه:

إني أخاف عليكم أن أغضبا.

(2) البيت للنابغة الذبياني من معلّقته، وهو في ديوانه ص 34، وشرح المعلّقات للنحاس 2/ 168، والبصائر 2/ 491، واللسان (حكم) .

(3) راجع: الأسماء والصفات ص 38.

(4) انظر المدخل لعلم التفسير ص 273.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت