فهرس الكتاب

الصفحة 919 من 1755

{وَلَوْ أَنَّ لِكُلِّ نَفْسٍ ظَلَمَتْ مَا فِي الْأَرْضِ لَافْتَدَتْ بِهِ وَأَسَرُّوا النَّدَامَةَ لَمَّا رَأَوُا الْعَذَابَ وَقُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ(54)}

(سرر)

الْإِسْرَارُ: خلاف الإعلان، قال تعالى: {سِرًّا وَعَلانِيَةً} [إبراهيم/ 31] ، وقال تعالى: {وَيَعْلَمُ ما تُسِرُّونَ وَما تُعْلِنُونَ} [التغابن/ 4] ، وقال تعالى: {وَأَسِرُّوا قَوْلَكُمْ أَوِ اجْهَرُوا بِهِ} [الملك/ 13] ، ويستعمل في الأعيان والمعاني، والسِّرُّ هو الحديث المكتم في النّفس. قال تعالى: {يَعْلَمُ السِّرَّ وَأَخْفى} [طه/ 7] ، وقال تعالى: {أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ سِرَّهُمْ وَنَجْواهُمْ} [التوبة/ 78] ،

وسَارَّهُ: إذا أوصاه بأن يسرّه، وتَسَارَّ القومُ، وقوله: {وَأَسَرُّوا النَّدامَةَ} [يونس/ 54] ، أي: كتموها «1»

وقيل: معناه أظهروها بدلالة قوله تعالى: {يا لَيْتَنا نُرَدُّ وَلا نُكَذِّبَ بِآياتِ رَبِّنا} [الأنعام/ 27] ، وليس كذلك، لأنّ النّدامة التي كتموها ليست بإشارة إلى ما أظهروه من قوله: {يا لَيْتَنا نُرَدُّ وَلا نُكَذِّبَ بِآياتِ رَبِّنا} [الأنعام/ 27] ،

وأَسْرَرْتُ إلى فلان حديثا: أفضيت إليه في خفية، قال تعالى: {وَإِذْ أَسَرَّ النَّبِيُ} [التحريم/ 3] ، وقوله: {تُسِرُّونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ} [الممتحنة/ 1] ، أي: يطلعونهم على ما يسرّون من مودّتهم، وقد فسّر بأنّ معناه: يظهرون «2» ، وهذا صحيح، فإنّ الإسرار إلى الغير يقتضي إظهار ذلك لمن يفضى إليه بالسّرّ، وإن كان يقتضي إخفاءه عن غيره، فإذا قولهم أسررت إلى فلان يقتضي من وجه الإظهار، ومن وجه الإخفاء، وعلى هذا قوله: {وَأَسْرَرْتُ لَهُمْ إِسْرارًا} [نوح/ 9] .

وكنّي عن النكاح بالسّرّ من حيث إنه يخفى، واستعير للخالص، فقيل: هو من سرّ قومه «3» ، ومنه: سِرُّ الوادي وسِرَارَتُهُ، وسُرَّةُ البطن: ما يبقى بعد القطع، وذلك لاستتارها بعكن البطن، والسُّرُّ والسُّرَرُ يقال لما يقطع منها. وأَسِرَّةُ الرّاحة، وأَسَارِيرُ الجبهة، لغضونها، والسَّرَارُ، اليوم الذي يستتر فيه القمر آخر الشهر. والسُّرُورُ: ما ينكتم من الفرح، قال تعالى: {وَلَقَّاهُمْ نَضْرَةً وَسُرُورًا} [الإنسان/ 11] ، وقال: {تَسُرُّ النَّاظِرِينَ} [البقرة/ 69] ، وقوله تعالى في أهل الجنة: وَيَنْقَلِبُ إِلى أَهْلِهِ مَسْرُورًا [الانشقاق/ 9] ، وقوله في أهل النار: {إِنَّهُ كانَ فِي أَهْلِهِ مَسْرُورًا} [الانشقاق/ 13] ، تنبيه على أنّ سُرُورَ الآخرة يضادّ سرور الدّنيا، والسَّرِيرُ: الذي يجلس عليه من السّرور، إذ كان ذلك لأولي النّعمة، وجمعه أَسِرَّةٌ، وسُرُرٌ، قال تعالى: {مُتَّكِئِينَ عَلى سُرُرٍ مَصْفُوفَةٍ} [الطور/ 20] ، {فِيها سُرُرٌ مَرْفُوعَةٌ} [الغاشية/ 13] ، {وَلِبُيُوتِهِمْ أَبْوابًا وَسُرُرًا عَلَيْها يَتَّكِؤُنَ} [الزخرف/ 34] ، وسَرِيرُ الميّت تشبيها به في الصّورة، وللتّفاؤل بالسّرور الذي يلحق الميّت برجوعه إلى جوار الله تعالى، وخلاصه من سجنه المشار إليه بقوله صلّى الله عليه وسلم: «الدّنيا سجن المؤمن» «4» .

(1) وهو قول الفرّاء في معاني القرآن له 1/ 469.

(2) وهذا مرويّ عن أبي عبيدة وقطرب، وقد ذكره ابن الأنباري في الأضداد.

وقال شمّر: وما قال غير أبي عبيدة في قوله: وَأَسَرُّوا النَّدامَةَ أي: أظهروها. قال: ولم أسمع ذلك لغيره.

قال الأزهري: وأهل اللغة أنكروا قول أبي عبيدة أشدّ الإنكار. انظر: اللسان (سرر) ، ومجاز القرآن 2/ 34، وأضداد ابن الأنباري ص 45، وعمدة الحفاظ: سرّ، والمجمل 2/ 458.

(3) راجع: اللسان (سرر) .

(4) الحديث عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلّى الله عليه وسلم: «الدّنيا سجن المؤمن وجنّة الكافر» . أخرجه مسلم في كتاب الزهد برقم (2956) ، وأحمد في المسند 2/ 323، وابن ماجة (4113) .

وفي آخر عن عبد الله بن عمرو عن النبيّ صلّى الله عليه وسلم قال: «الدنيا سجن المؤمن وسنته، وإذا فارق الدنيا فارق السجن والسنة» . أخرجه أحمد 1/ 917، والحاكم 4/ 315.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت