فهرس الكتاب

الصفحة 1503 من 1755

{إِنَّمَا السَّبِيلُ عَلَى الَّذِينَ يَظْلِمُونَ النَّاسَ وَيَبْغُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ ...(42)}

(بغي)

البَغْي: طلب تجاوز الاقتصاد فيما يتحرّى، تجاوزه أم لم يتجاوزه، فتارة يعتبر في القدر الذي هو الكمية، وتارة يعتبر في الوصف الذي هو الكيفية، يقال: بَغَيْتُ الشيء: إذا طلبت أكثر ما يجب، وابْتَغَيْتُ كذلك، قال الله عزّ وجل: {لَقَدِ ابْتَغَوُا الْفِتْنَةَ مِنْ قَبْلُ} [التوبة/ 48] ، وقال تعالى: {يَبْغُونَكُمُ الْفِتْنَةَ} [التوبة/ 47] .

والبَغْيُ على ضربين:

-أحدهما محمود، وهو تجاوز العدل إلى الإحسان، والفرض إلى التطوع.

-والثاني مذموم، وهو تجاوز الحق إلى الباطل، أو تجاوزه إلى الشّبه، كما قال عليه الصلاة والسلام: «الحقّ بيّن والباطل بيّن، وبين ذلك أمور مشتبهات، ومن رتع حول الحمى أوشك أن يقع فيه» «1» ، ولأنّ البغي قد يكون محمودا ومذموما، قال تعالى: {إِنَّمَا السَّبِيلُ عَلَى الَّذِينَ يَظْلِمُونَ النَّاسَ وَيَبْغُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ} [الشورى/ 42] ، فخصّ العقوبة ببغيه بغير الحق.

وأَبْغَيْتُك: أعنتك على طلبه، وبَغَى الجرح: تجاوز الحدّ في فساده، وبَغَتِ المرأة بِغَاءً: إذا فجرت، وذلك لتجاوزها إلى ما ليس لها. قال عزّ وجلّ: {وَلا تُكْرِهُوا فَتَياتِكُمْ عَلَى الْبِغاءِ إِنْ أَرَدْنَ تَحَصُّنًا} [النور/ 33] ، وبَغَتِ السماء: تجاوزت في المطر حدّ المحتاج إليه، وبَغَى: تكبّر، وذلك لتجاوزه منزلته إلى ما ليس له، ويستعمل ذلك في أي أمر كان. قال تعالى: {يَبْغُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ} [الشورى/ 42] ، وقال تعالى: {إِنَّما بَغْيُكُمْ عَلى أَنْفُسِكُمْ} [يونس/ 23] ، {ثُمَّ بُغِيَ عَلَيْهِ لَيَنْصُرَنَّهُ اللَّهُ} [الحج/ 60] ، {إِنَّ قارُونَ كانَ مِنْ قَوْمِ مُوسى فَبَغى عَلَيْهِمْ} [القصص/ 76] ، وقال: {فَإِنْ بَغَتْ إِحْداهُما عَلَى الْأُخْرى فَقاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي} [الحجرات/ 9] ، فالبغي في أكثر المواضع مذموم، وقوله: {غَيْرَ باغٍ وَلا عادٍ} [البقرة/ 173] ، أي: غير طالب ما ليس له طلبه ولا متجاوز لما رسم له.

قال الحسن: غير متناول للذّة ولا متجاوز سدّ الجوعة «2» .

وقال مجاهد رحمه الله: غير باغ على إمام ولا عاد في المعصية طريق الحق «3» .

وأمّا الابتغاء فقد خصّ بالاجتهاد في الطلب، فمتى كان الطلب لشيء محمود فالابتغاء فيه محمود نحو: {ابْتِغاءَ رَحْمَةٍ مِنْ رَبِّكَ} [الإسراء/ 28] ، {وابْتِغاءَ وَجْهِ رَبِّهِ الْأَعْلى} [الليل/ 20] ، وقولهم: يَنْبغي مطاوع بغى. فإذا قيل: ينبغي أن يكون كذا؟

فيقال على وجهين: أحدهما ما يكون مسخّرا للفعل، نحو: {النار ينبغي أن تحرق الثوب، والثاني: على معنى الاستئهال، نحو: فلان ينبغي أن يعطى لكرمه، وقوله تعالى: وَما عَلَّمْناهُ الشِّعْرَ وَما يَنْبَغِي لَهُ} [يس/ 69] ، على الأول، فإنّ معناه لا يتسخّر ولا يتسهّل له، ألا ترى أنّ لسانه لم يكن يجري به، وقوله تعالى: {وَهَبْ لِي مُلْكًا لا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ مِنْ بَعْدِي} [ص/ 35] .

(1) الحديث يروى عن النعمان بن بشير يقول: سمعت رسول الله صلّى الله عليه وسلم يقول: «الحلال بيّن والحرام بيّن، وبينهما مشبّهات لا يعلمها كثير من الناس، فمن اتقى الشبهات استبرأ لعرضه ودينه، ومن وقع في الشبهات كراع يرعى حول الحمى يوشك أن يواقعه» . وهذه الرواية الصحيحة، والحديث أخرجه البخاري في الإيمان (انظر فتح الباري 1/ 116) ، ومسلم في المساقاة رقم (1599) .

(2) ومثله عن الشعبي والنخعي قالا: إذا اضطر إلى الميتة أكل منها قدر ما يقيمه. راجع الدر المنثور 1/ 408.

(3) أخرج هذا عن مجاهد البيهقي في المعرفة والسنن وابن أبي شيبة وابن المنذر وغيرهم. انظر: الدر المنثور 1/ 408.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت