فهرس الكتاب

الصفحة 104 من 1755

{وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْمَاءَ كُلَّهَا ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى الْمَلَائِكَةِ فَقَالَ أَنْبِئُونِي بِأَسْمَاءِ هَؤُلَاءِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ(31)}

(علم)

العِلْمُ: إدراك الشيء بحقيقته، وذلك ضربان:

أحدهما: إدراك ذات الشيء.

والثاني: الحكم على الشيء بوجود شيء هو موجود له، أو نفي شيء هو منفيّ عنه.

فالأوّل: هو المتعدّي إلى مفعول واحد نحو: {لا تَعْلَمُونَهُمُ اللَّهُ يَعْلَمُهُمْ} [الأنفال/ 60] .

والثاني: المتعدّي إلى مفعولين، نحو قوله: {فَإِنْ عَلِمْتُمُوهُنَّ مُؤْمِناتٍ} [الممتحنة/ 10] ، وقوله: {يَوْمَ يَجْمَعُ اللَّهُ الرُّسُلَ} إلى قوله: {لا عِلْمَ لَنا} «1» فإشارة إلى أنّ عقولهم طاشت.

والعِلْمُ من وجه ضربان: نظريّ وعمليّ.

فالنّظريّ: ما إذا علم فقد كمل، نحو: العلم بموجودات العالَم.

والعمليّ: ما لا يتمّ إلا بأن يعمل كالعلم بالعبادات.

ومن وجه آخر ضربان: عقليّ وسمعيّ، وأَعْلَمْتُهُ وعَلَّمْتُهُ في الأصل واحد، إلّا أنّ الإعلام اختصّ بما كان بإخبار سريع، والتَّعْلِيمُ اختصّ بما يكون بتكرير وتكثير حتى يحصل منه أثر في نفس المُتَعَلِّمِ. قال بعضهم: التَّعْلِيمُ:

تنبيه النّفس لتصوّر المعاني، والتَّعَلُّمُ: تنبّه النّفس لتصوّر ذلك، وربّما استعمل في معنى الإِعْلَامِ إذا كان فيه تكرير، نحو: {أَتُعَلِّمُونَ اللَّهَ بِدِينِكُمْ} [الحجرات/ 16] ، فمن التَّعْلِيمُ قوله: {الرَّحْمنُ عَلَّمَ الْقُرْآنَ} [الرحمن/ 1 - 2] ، {عَلَّمَ بِالْقَلَمِ} [العلق/ 4] ، {وَعُلِّمْتُمْ ما لَمْ تَعْلَمُوا} [الأنعام/ 91] ، {عُلِّمْنا مَنْطِقَ الطَّيْرِ} [النمل/ 16] ، {وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتابَ وَالْحِكْمَةَ} [البقرة/ 129] ، ونحو ذلك. وقوله: {وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْماءَ كُلَّها} [البقرة/ 31] ، فتَعْلِيمُهُ الأسماء: هو أن جعل له قوّة بها نطق ووضع أسماء الأشياء وذلك بإلقائه في روعه وكَتعلِيمِهِ الحيوانات كلّ واحد منها فعلا يتعاطاه، وصوتا يتحرّاه قال: {وَعَلَّمْناهُ مِنْ لَدُنَّا عِلْمًا} [الكهف/ 65] ، {قالَ لَهُ مُوسى هَلْ أَتَّبِعُكَ عَلى أَنْ تُعَلِّمَنِ مِمَّا عُلِّمْتَ رُشْدًا} [الكهف/ 66] ، قيل: عنى به العِلْمَ الخاصّ الخفيّ على البشر الذي يرونه ما لم يعرّفهم الله منكرا، بدلالة ما رآه موسى منه لمّا تبعه فأنكره حتى عرّفه سببه، قيل: وعلى هذا العلم في قوله: {قالَ الَّذِي عِنْدَهُ عِلْمٌ مِنَ الْكِتابِ} [النمل/ 40] ، وقوله تعالى: {وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجاتٍ} [المجادلة/ 11] ، فتنبيه منه تعالى على تفاوت منازل العلوم وتفاوت أربابها. وأما قوله: {وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ} [يوسف/ 76] ، فَ {عَلِيمٌ} يصحّ أن يكون إشارة إلى الإنسان الذي فوق آخر، ويكون تخصيص لفظ العليم الذي هو للمبالغة تنبيها أنه بالإضافة إلى الأوّل عليم وإن لم يكن بالإضافة إلى من فوقه كذلك، ويجوز أن يكون قوله: {عَلِيمٌ عبارة عن الله تعالى وإن جاء لفظه منكّرا، إذ كان الموصوف في الحقيقة بالعليم هو تبارك وتعالى، فيكون قوله: وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ} [يوسف/ 76] ، إشارة إلى الجماعة بأسرهم لا إلى كلّ واحد بانفراده، وعلى الأوّل يكون إشارة إلى كلّ واحد بانفراده. وقوله: {عَلَّامُ الْغُيُوبِ} [المائدة/ 109] ، فيه إشارة إلى أنه لا يخفى عليه خافية.

وقوله: {عالِمُ الْغَيْبِ فَلا يُظْهِرُ عَلى غَيْبِهِ أَحَدًا إِلَّا مَنِ ارْتَضى مِنْ رَسُولٍ} [الجن/ 26 - 27] ، فيه إشارة أنّ لله تعالى علما يخصّ به أولياءه، والعَالِمُ في وصف الله هو الّذي لا يخفى عليه شيء كما قال: {لا تَخْفى مِنْكُمْ خافِيَةٌ} [الحاقة/ 18] ، وذلك لا يصحّ إلا في وصفه تعالى.

والعَلَمُ: الأثر الذي يُعْلَمُ به الشيء كعلم الطّريق وعلم الجيش، وسمّي الجبل علما لذلك، وجمعه أَعْلَامٌ، وقرئ: (وإنّه لَعَلَمٌ للسّاعة) «2» وقال: {وَمِنْ آياتِهِ الْجَوارِ فِي الْبَحْرِ كَالْأَعْلامِ} [الشورى/ 32] ، وفي أخرى: {وَلَهُ الْجَوارِ الْمُنْشَآتُ فِي الْبَحْرِ كَالْأَعْلامِ} [الرحمن/ 24] .

(1) الآية: {يَوْمَ يَجْمَعُ اللَّهُ الرُّسُلَ فَيَقُولُ ماذا أُجِبْتُمْ قالُوا لا عِلْمَ لَنا} سورة المائدة: آية 109.

(2) سورة الزخرف: آية 61، وهي قراءة شاذة، قرأ بها الأعمش. انظر: الإتحاف ص 386.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت