(كفر)
الكُفْرُ في اللّغة: ستر الشيء، ووصف الليل بِالْكَافِرِ لستره الأشخاص، والزّرّاع لستره البذر في الأرض، وليس ذلك باسم لهما كما قال بعض أهل اللّغة لمّا سمع:
ألقت ذكاء يمينها في كافر «1»
والْكَافُورُ: اسم أكمام الثّمرة التي تَكْفُرُهَا، قال الشاعر:
كالكرم إذ نادى من الكَافُورِ «2»
وكُفْرُ النّعمة وكُفْرَانُهَا: سترها بترك أداء شكرها، قال تعالى: {فَلا كُفْرانَ لِسَعْيِهِ} [الأنبياء/ 94] .
وأعظم الكُفْرِ: جحود الوحدانيّة أو الشريعة أو النّبوّة، والكُفْرَانُ في جحود النّعمة أكثر استعمالا، والكُفْرُ في الدّين أكثر، والكُفُورُ فيهما جميعا قال: {فَأَبَى الظَّالِمُونَ إِلَّا كُفُورًا} [الإسراء/ 99] ، {فَأَبى أَكْثَرُ النَّاسِ إِلَّا كُفُورًا} [الفرقان/ 50] ويقال منهما: كَفَرَ فهو كَافِرٌ. قال في الكفران: لِيَبْلُوَنِي أَأَشْكُرُ أَمْ أَكْفُرُ وَمَنْ شَكَرَ فَإِنَّما يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ رَبِّي غَنِيٌّ كَرِيمٌ [النمل/ 40] ، وقال: {وَاشْكُرُوا لِي وَلا تَكْفُرُونِ} [البقرة/ 152] ، وقوله: {وَفَعَلْتَ فَعْلَتَكَ الَّتِي فَعَلْتَ وَأَنْتَ مِنَ الْكافِرِينَ} [الشعراء/ 19] أي: تحرّيت كفران نعمتي، وقال: {لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِنْ كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذابِي لَشَدِيدٌ} [إبراهيم/ 7] ولمّا كان الكفران يقتضي جحود النّعمة صار يستعمل في الجحود، قال: {وَلا تَكُونُوا أَوَّلَ كافِرٍ بِهِ} [البقرة/ 41] أي: جاحد له وساتر، والكَافِرُ على الإطلاق متعارف فيمن يجحد الوحدانيّة، أو النّبوّة، أو الشريعة، أو ثلاثتها، وقد يقال: كَفَرَ لمن أخلّ بالشّريعة، وترك ما لزمه من شكر الله عليه. قال: {مَنْ كَفَرَ فَعَلَيْهِ كُفْرُهُ} [الروم/ 44] يدلّ على ذلك مقابلته بقوله: {وَمَنْ عَمِلَ صالِحًا فَلِأَنْفُسِهِمْ يَمْهَدُونَ} [الروم/ 44] ، وقال: {وَأَكْثَرُهُمُ الْكافِرُونَ} [النحل/ 83] ، وقوله: {وَلا تَكُونُوا أَوَّلَ كافِرٍ بِهِ} [البقرة/ 41] أي: لا تكونوا أئمّة في الكفر فيقتدى بكم، وقوله: {وَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذلِكَ فَأُولئِكَ هُمُ الْفاسِقُونَ} [النور/ 55] عني بالكافر السّاتر للحقّ، فلذلك جعله فاسقا، ومعلوم أنّ الكفر المطلق هو أعمّ من الفسق، ومعناه: من جحد حقّ الله فقد فسق عن أمر ربّه بظلمه. ولمّا جعل كلّ فعل محمود من الإيمان جعل كلّ فعل مذموم من الكفر، وقال في السّحر: وَما كَفَرَ سُلَيْمانُ وَلكِنَّ الشَّياطِينَ كَفَرُوا يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ [البقرة/ 102] وقوله: {الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبا} إلى قوله: {كُلَّ كَفَّارٍ أَثِيمٍ} [البقرة/ 275 - 276] «3» وقال: {وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ} إلى قوله: {وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعالَمِينَ} [آل عمران/ 97] «4»
والكَفُورُ: المبالغ في كفران النعمة، وقوله: {إِنَّ الْإِنْسانَ لَكَفُورٌ} [الزخرف/ 15] ، وقال: {ذلِكَ جَزَيْناهُمْ بِما كَفَرُوا وَهَلْ نُجازِي إِلَّا الْكَفُورَ} [سبأ/ 17]
إن قيل: كيف وصف الإنسان هاهنا بالكفور، ولم يرض بذلك حتى أدخل عليه إنّ، واللّام، وكلّ ذلك تأكيد، وقال في موضع {وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ الْكُفْرَ} [الحجرات/ 7] ، فقوله: {إِنَّ الْإِنْسانَ لَكَفُورٌ مُبِينٌ} [الزخرف/ 15] تنبيه على ما ينطوي عليه الإنسان من كفران النّعمة، وقلّة ما يقوم بأداء الشّكر، وعلى هذا قوله: {قُتِلَ الْإِنْسانُ ما أَكْفَرَهُ} [عبس/ 17] ولذلك قال: {وَقَلِيلٌ مِنْ عِبادِيَ الشَّكُورُ} [سبأ/ 13] ، وقوله: {إِنَّا هَدَيْناهُ السَّبِيلَ إِمَّا شاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا} [الإنسان/ 3] تنبيه أنه عرّفه الطّريقين كما قال: {وَهَدَيْناهُ النَّجْدَيْنِ} [البلد/ 10] فمن سالك سبيل الشّكر، ومن سالك سبيل الكفر، وقوله: {وَكانَ الشَّيْطانُ لِرَبِّهِ كَفُورًا} [الإسراء/ 27] فمن الكفر، ونبّه بقوله: كانَ أنه لم يزل منذ وجد منطويا على الكفر.
والْكَفَّارُ أبلغ من الكفور لقوله: {كُلَّ كَفَّارٍ عَنِيدٍ} [ق/ 24] وقال: {وَاللَّهُ لا يُحِبُّ كُلَّ كَفَّارٍ أَثِيمٍ} [البقرة/ 276] ، {إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي مَنْ هُوَ كاذِبٌ كَفَّارٌ} [الزمر/ 3] ، {إِلَّا فاجِرًا كَفَّارًا} [نوح/ 27] وقد أجري الكفّار مجرى الكفور في قوله: {إِنَّ الْإِنْسانَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ} [إبراهيم/ 34] . والكُفَّارُ في جمع الكافر المضادّ للإيمان أكثر استعمالا كقوله: {أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ} [الفتح/ 29] ، وقوله: {لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ} [الفتح/ 29] .
والكَفَرَةُ في جمع كافر النّعمة أشدّ استعمالا، وفي قوله: {أُولئِكَ هُمُ الْكَفَرَةُ الْفَجَرَةُ} [عبس/ 42] ألا ترى أنه وصف الكفرة بالفجرة؟
والفجرة قد يقال للفسّاق من المسلمين.
(1) هذا عجز بيت لثعلبة بن صعير المازني، وشطره:
فتذكّرت ثقلا رثيدا بعد ما
وهو من مفضليته التي مطلعها:
هل عند عمرة من بتات مسافر ... ذي حاجة متروّح أو باكر
والبيت في المفضليات ص 130، واللسان (كفر) ، والأفعال 2/ 174.
(2) الرجز للعجاج، وهو في اللسان (كفر) ، وتهذيب اللغة 10/ 201.
(3) الآية: {الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبا لا يَقُومُونَ إِلَّا كَما يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطانُ مِنَ الْمَسِّ ذلِكَ بِأَنَّهُمْ قالُوا: إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبا وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبا فَمَنْ جاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّهِ فَانْتَهى فَلَهُ ما سَلَفَ وَأَمْرُهُ إِلَى اللَّهِ وَمَنْ عادَ فَأُولئِكَ أَصْحابُ النَّارِ هُمْ فِيها خالِدُونَ يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبا وَيُرْبِي الصَّدَقاتِ وَاللَّهُ لا يُحِبُّ كُلَّ كَفَّارٍ أَثِيمٍ} .
(4) الآية: {وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعالَمِينَ} .