فالتوراة سُمِّيت [بذلك] ؛ لظهور الحق بها. يدل على هذا المعنى قولُه: {وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى وَهَارُونَ الْفُرْقَانَ وَضِيَاءً} [الأنبياء: 48] .
وقال المُؤَرّج: هو من (التَّوْرِيَةِ) ، وهي: التعريض بالشيء؛ وكان أكثر التوراة معاريضَ وتلويحًا، مِن غير إيضاحٍ وتصريح.
وفي (التوراة) قراءتان: الإمالة، والتفخيم.
فَمَنْ فَخَّم؛ فلأن الراءَ حَرفٌ يَمْنُعُ الإمالة؛ لِما فيه مِنَ التكرير، كما يمنعه المستعلي، ولو كان مكان الراء مُستَعْلٍ مفتوحٌ، لمْ تَحْسُنْ الإمالةُ، كذلك إذا كانت الرّاءُ مفتوحةً.
ومَنْ أمالَهَا؛ فَلأنّ الألف لَمّا كانت رابعةً، لم تخلُ مِنْ أن تشبه ألِفَ التأنيث، أو الألف المنقلبةَ عن الواو، وعن الياء.
وألِفُ التأنيث تُمالُ، وإنْ كان قبلها مستعْلٍ؛ كقولهم:
(فَوْضى) ، و (جَوْخَى) وهي مدينة، [فـ] كما أمالوا المستعليةَ معها، كذلك يميلون الرَّاءَ والألِفَ المنقلبةَ عن الياء والواو، وتمال نحو: {رَمَى} و {سَجى} ، وأشباههما.
وقوله تعالى: {وَالْإِنْجِيلَ} . قال الزجَّاجُ: الإنجيْل، (إفْعِيل) ، مِنَ (النَّجْل) ، وهو: الأصل. هكذا كان يقول جميع أهل اللغة في (إنجيل) .
قال ابن الأنباري: معنى قولهم: (إنجيل) لِكِتاب الله: أصْلٌ
للقوم الذين نزل عليهم؛ لأنهم يَعْمَلونَ بما فيه. ويقال: (لَعَنَ اللهُ ناجِلَيْهِ) ؛ أي: والِدَيْهِ. وأنشد قولَ الأعشى:
إذْ نَجَلاهُ فَنِعْمَ مَا نَجَلا
أي: كان أصلًا له إذ وَلَدَاهُ.
وقال قومٌ: (الإنجيل) ، مأخوذ من قول العرب: (نَجَلْتُ الشيء) : إذا استخرجته وأظهرتُه. يقال للماء الذي يخرج من النَّزِّ: (نَجْلٌ) .
ويقال: (قد استَنْجَلَ الوادي) : إذا أخرج الماء من النزِّ. فسمّي الإنجيلُ إنجيلًا؛ لأن الله تعالى أظهره للناس بعد طموس الحق ودُرُوسِهِ.
قال: وفي (الإنجيل) قولٌ ثالث: وهو أن يكون سُمّيَ إنجيلًا؛ لأن الناس اختلفوا فيه، وتنازعوا.
قال أبو عمرو الشيباني: التَّنَاجُل: التنازع. يقال: (تناجلَ القومُ) : إذا تنازعوا.
وقال جماعة من أهل التحقيق: التوراة والإنجيل والزَّبُور، أسماء عُرِّبت مِنَ السريانية، وليس يُطّردُ فيها قياس الأسماء العربيّة؛ ألا تراهم يقَولون لها بالسريانية: (تُورَيْ) ، (انْكِليُون) ، (زَفُوتَا) . انتهى انتهى {التفسير البسيط. 5/ 15 - 28} .