{وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ} من كتمان الشهادة وإقامتها، ومن الخيانة في الأمانة وعدمها {عَلِيمٌ} فيجازيكم على ذلك إن خيرًا فخير، وإن شرًّا فشر. وقرأ السلمي شذوذًا: {بما يعملون} بالياء جريًا على قراءته الشاذة: {ولا يكتموا} بالياء على الغيبة.
284 - {لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ} استدلال على قوله: {وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ} فاستدل بسعة ملكه على سعة علمه؛ أي: له سبحانه وتعالى لا لغيره جميع ما في السماوات وما في الأرض، من الأمور الداخلة في حقيقتهما، والخارجة عنهما: من أولي العلم، وغيرهم، فقل غيرهم، فعبَّر {بِمَا} ؛ لأنهم أكثر؛ أي: له تعالى الكل خلقًا وملكًا وتصرفًا، فالجميع عبيد له وهو مالكهم {وَإِنْ تُبْدُوا} ؛ أي: وإن تظهروا أيها المكلفون {مَا فِي أَنْفُسِكُمْ} ؛ أي: ما في قلوبكم من العزم على السوء بأن تظهروه للناس بالقول، أو بالفعل {أَوْ تُخْفُوهُ} ؛ أي: تسروه بأن تكتموه منهم {يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ} ؛ أي: يؤاخذكم به ويجازكم عليه يوم القيامة، ولا تَدْخل الوساوس وحديث النفس فيما يخفيه الإنسان؛ لأن ذلك مما ليس في وسعه الخلو منه، ولكن ما اعتقده وعزم عليه.
فالخواطر الحاصلة في القلب على قسمين: ما يوطن الإنسان نفسه عليه ويعزم على إدخاله في حيِّز الوجود، وما لا يكون كذلك، بل تكون أمورًا خاطرة بالبال مع أن الإنسان يكرهها، ولا يمكنه دفعها عن النفس. فالقسم الأول: يكون مؤاخذًا عليه، والثاني: لا يكون مؤاخذًا
وعن أبي هريرة رضي الله عنه: أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال:"إن الله تعالى تجاوز لأمتي ما حدثت به أنفسها ما لم يعملوا به أو يتكلموا به"وفي رواية:"ما وسوست به صدورها"متفق عليه.