فَجَعَلَ إِبْرَاهِيمُ، وَمُجَاهِدٌ الْقُنُوتَ سُكُوتًا فِي طَاعَةِ اللَّهِ عَلَى مَا قُلْنَا فِي ذَلِكَ مِنَ التَّأْوِيلِ، وَقَدْ تَكُونُ الطَّاعَةُ لِلَّهِ فِيهَا بِالْخُشُوعِ، وَخَفْضِ الْجَنَاحِ، وَإِطالَةِ الْقِيَامِ، وَبِالدُّعَاءِ؛ لِأَنَّ كَلًّا غَيْرُ خَارِجٍ مِنْ أَحَدِ مَعْنَيَيْنِ، مِنْ أَنْ يَكُونَ مِمَّا أُمِرَ بِهِ الْمُصَلِّي، أَوْ مِمَّا نُدِبَ إِلَيْهِ، وَالْعَبْدُ بِكُلِّ ذَلِكَ لِلَّهِ مُطِيعٌ، وَهُوَ لِرَبِّهِ فِيهِ قَانِتٌ، وَالْقُنُوتُ: أَصْلُهُ الطَّاعَةُ لِلَّهِ، ثُمَّ يُسْتَعْمَلُ فِي كُلِّ مَا أَطَاعَ اللَّهُ بِهِ الْعَبْدَ.
فَتَأْوِيلُ الْآيَةِ إِذًا: حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَاةِ الْوسْطَى، وَقُومُوا لِلَّهِ فِيهَا مُطِيعِينَ بِتَرْكِ بَعْضِكُمْ فِيهَا كَلَامَ بَعْضٍ، وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنْ مَعَانِي الْكَلَامِ، سِوَى قِرَاءَةِ الْقُرْآنِ فِيهَا، أَوْ ذِكْرِ اللَّهِ بِالَّذِي هُوَ أَهْلُهُ أَوْ دُعَائِهِ فِيهَا، غَيْرِ عَاصِينَ لِلَّهِ فِيهَا بِتَضْيِيعِ حُدُودِهَا، وَالتَّفْرِيطِ فِي الْوَاجِبِ لِلَّهِ عَلَيْكُمْ فِيهَا، وَفِي غَيْرِهَا مِنْ فَرَائِضِ اللَّهِ.
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: {فَإِنْ خِفْتُمْ فَرِجَالًا أَوْ رُكْبَانًا فَإِذَا أَمِنْتُمْ فَاذْكُرُوا اللَّهَ كَمَا عَلَّمَكُمْ مَا لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ (239) }
يَعْنِي تَعَالَى ذِكْرُهُ بِذَلِكَ: وَقُومُوا لِلَّهِ فِي صَلَاتِكُمْ مُطِيعِينَ لَهُ، لِمَا قَدْ بَيَّنَّاهُ مِنْ مَعْنَاهُ، فَإِنْ خِفْتُمْ مِنْ عَدُوٍّ لَكُمْ أَيُّهَا النَّاسُ، تَخْشَوْنَهُمْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ فِي حَالِ الْتِقَائِكُمْ مَعَهُمْ، أَنَّ تُصَلُّوا قِيَامًا عَلَى أَرْجُلِكُمْ بِالْأَرْضِ، قَانِتِينَ لِلَّهِ، فَصَلُّوا رِجَالًا مُشَاةً عَلَى أَرْجُلِكُمْ، وَأَنْتُمْ فِي حَرْبِكُمْ، وَقِتَالِكُمْ، وَجِهَادِ عَدُوِّكُمْ، أَوْ رُكْبَانًا عَلَى ظُهُورِ دَوَابِّكُمْ، فَإِنَّ ذَلِكَ يَجْزِيكُمْ حِينَئِذٍ مِنَ الْقِيَامِ مِنْكُمْ قَانِتِينَ.