فَإِنْ قِيلَ عَلَى مَا ذَكَرْنَاهُ مِنْ أَنَّ اللَّهَ لَمْ يُبِحْ تَرْكَ الصَّلَاةِ فِي حَالِ الْخَوْفِ وَأَمَرَ بِهَا عَلَى الْحَالِ الَّتِي يُمْكِنُ فِعْلُهَا: {قَدْ كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تَرَكَ أَرْبَعَ صَلَوَاتٍ يَوْمَ الْخَنْدَقِ حَتَّى كَانَ هَوِيٌّ مِنْ اللَّيْلِ ثُمَّ قَضَاهُنَّ عَلَى التَّرْتِيبِ} وَفِي ذَلِكَ دَلِيلٌ عَلَى جَوَازِ تَرْكِ الصَّلَاةِ فِي حَالِ الْخَوْفِ.
قِيلَ لَهُ: إنَّ الَّذِي اقْتَضَتْهُ هَذِهِ الْآيَةُ الْأَمْرُ بِالصَّلَاةِ فِي حَالِ الْخَوْفِ بَعْدَ تَقْدِيمِ تَأْكِيدِ فُرُوضِهَا ؛ لِأَنَّهُ عُطِفَ عَلَى قَوْله تَعَالَى: {حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَى} ثُمَّ زَادَهَا تَأْكِيدًا بِقَوْلِهِ تَعَالَى: {وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ} فَأَمَرَ فِيهَا بِالدَّوَامِ عَلَى الْخُشُوعِ وَالسُّكُونِ وَالْقِيَامِ ، وَحَظَرَ فِيهَا التَّنَقُّلَ مِنْ حَالٍ إلَّا إلَى حَالٍ هِيَ الصَّلَاةُ مِنْ الرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ ؛ وَلَوْ اقْتَصَرَ عَلَى ذَلِكَ لَكَانَ جَائِزًا أَنْ يَظُنَّ ظَانٌّ أَنَّ شَرْطَ الصَّلَاةِ فِعْلُهَا عَلَى هَذِهِ الْأَوْصَافِ ، فَبَيَّنَ حُكْمَ هَذِهِ الصَّلَوَاتِ الْمَكْتُوبَاتِ فِي حَالِ الْخَوْفِ فَقَالَ تَعَالَى: {فَإِنْ خِفْتُمْ فَرِجَالًا أَوْ رُكْبَانًا}
فَأَمَرَ بِفِعْلِهَا فِي هَذِهِ الْحَالِ وَلَمْ يَعْذُرْ أَحَدًا مِنْ الْمُكَلَّفِينَ فِي تَرْكِهَا.