سنح لي وقوي بعد تمعّن - فِي آوخر رمضان سنة 1323 - احتمال قوله تعالى [فِي المطبوع: تعال] : {والصَّلاَةِ الْوُسْطَى} بعد قوله: {حَافِظُواْ عَلَى الصَّلَوَاتِ} لأن يكون إرشاداً وأمراً بالمحافظة على أداء الصلاة أداءً متوسطاً: لا طويلاً مملاً ولا قصيراً مخلاً . أي: والصلاة المتوسطة بين الطول والقصر . ويؤيده الأحاديث المروية عنه صلى الله عليه وسلم فِي ذلك ، قولاً وفعلاً .
ثم مر بي فِي"القاموس"- فِي 23 ربيع الأول سنة 1324 - حكاية هذا قولاً . حيث ساق فِي مادة"وس ط"الأقوال فِي الآية ، ومنها قوله أو المتوسطة بين الطول والقصر قال شارحه الزبيدي: وهذا القول رده أبو حيان فِي"البحر".
ثم سنح لي احتمال وجه آخر: وهو أن يكون قوله: {والصَّلاَةِ الْوُسْطَى} أريد به توصيف الصلاة المأمور بالمحافظة عليها بأنه فضلى ، أي: ذات فضل عظيم عند الله . فالوسطى بمعنى الفضلى ، من قولهم للأفضل: الأوسط . وتوسيط الواو بين الصفة والموصوف مما حققه الزمخشري واستدل له بكثير من الآيات . وفي سوق الصفة بهذا الأسلوب ، من الاعتناء بالموصوف ما لا يخفى . وأسلوب القرآن أسلوب خاص انفرد به فِي باب البلاغة ، لم ينفتح من أبواب عجائبه إلا قطرة من بحر . ولعل هذا الوجه هو ملحظ من قال: هي الصلوات الخمس ، وهو معاذ بن جبل رضي الله عنه ، فكأنه أشار إلى أن المعطوف عين المعطوف عليه . إلا أنه أتى بجملة تفيد التوصيف .