هذا وقد أيد علماء الأثر ما ذهبوا إليه من أنها صلاة العصر ، بأنها خصت بمزيد من التأكيد والأمر بالمحافظة عليها ، والتغليظ لمن ضيعها . فقد قال أبو المليح: كنا مع بريدة فِي غزوة ، فقال فِي يوم ذي غيم: بكروا بصلاة العصر فإن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( من ترك صلاة العصر فقد حبط عمله ) . أخرجه البخاري . وقوله: ( كروا بصلاة العصر ) ، أي: قدموها فِي أول وقتها .
وروى الشيخان عن ابن عمر: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ( الذي تفوته صلاة العصر فكأنما وتر أهله وماله . . ! ) أي: نقص وسلب أهله وماله فبقي فرداً فاقدهما . والمعنى: ليكن حذره من فوت صلاة العصر كحذره من ذهاب أهله وماله .
وقد ساق الحافظ عبد المؤمن الدمياطي فِي كتابه"كشف المغطى فِي تبيين الصلاة الوسطى"ما امتازت به صلاة العصر من الخصائص والفضائل ، قال - عليه الرحمة:
فمنها: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم غلّظ المصيبة فِي فواتها بذهاب الأهل والمال فِي الحديث المتقدم .
ومنها: حبوط عمل تاركها المضيّع لها فِي الحديث السالف أيضاً .
ومنها: أنها كانت أحب إليهم من أنفسهم وآبائهم وأبنائهم وأهليهم وأموالهم .
ومنها: قوله صلى الله عليه وسلم: ( من حافظ عليها كان له أجرها مرتين ) . رواه مسلم .
ومنها: أن انتظارها بعد الجمعة كعمرة - رواه أبو يعلى . وروى الحاكم: كمن أتى بحجة وعمرة .
ومنها: قوله صلى الله عليه وسلم: ( ثلاثة لا يكلمهم الله يوم القيامة ولا يزكيهم ولا ينظر إليهم ولهم عذاب أليم . . - إلى أن قال - ورجل أقام سلعة بعد العصر فحلف بالله أنه أخذها بكذا وكذا ، فجاء رجل فصدقه فاشتراها ) . متفق عليه . ثم قال: قلت وقد عظم الله الأيمان التي يحلف بها العباد فيما شجر بينهم بعدها فقال: {تَحْبِسُونَهُمَا مِنْ بَعْدِ الصَّلاةِ فَيُقْسِمَانِ بِاللَّهِ} [المائدة: 106] .