الجواب أن يقال: إنما اقترن بالطلاق والعدد هذا الوعظ لأن الطلاق رفض حال متمهدة وقطع آمال متأكدة، والعدد باستيفائها يخلص النسب ويصح للزوج الثاني الولد، ولو لم يكن هذا الحد الذي حده الله تعالى، لكان الفساد متصلا إلى انقضاء الدنيا، فهو أحق الأشياء بالمراعاة وتأكيد المقال فيه والوصاة، قال الله عز وجلّ بعد ذكر الطلاق: {وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجاً وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ} ، أي: من تمسّك بتقوى الله فيما يحل ويعقد ويصدر ويورد، فإن الله يلقيه في شدته فرجا، ويجعل له مما يكرهه مخرجا، ويتيح له محبوبه من حيث لا يقدر، ويوجه له رزقه من حيث لا يحتسب، وفي ضمنه أنه إذا طلق لكراهة أحد القرينين لصاحبه وقارن ذلك تقوى الله، فإن الله يسبب له القرينة الصالحة ولها القرين الصالح، ويرزق أحدهما على يد الآخر من حيث لا يبلغه تقديره ولا يدركه حسابه، وهذا وعد منه في الدنيا، ويصح له مثله في الآخرة لأنه يجعل للمتقين منجى من عذابه وأمنا من مخافته، فيخرجهم من الغم إلى السرور، ومن الفزع إلى الأمن، ويعدلهم من كرامته وثوابه ونعمته ما يكتفون به ولا يحتاجون معه إلى غيره، ويكون قوله: {وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ} مرادا به: حال الآخرة، إذ المتوكل على الله قد يضام في الدنيا وقد يقتل أيضا، هذا قول بعض أهل النظر ويجوز أيضا أن يراد بالتوكل: أن يكل أمره إليه، فيتبعه راضيا بما يصرفه إليه، كالدابة المواكل التي تسير بسير غيرها، منقاد لحكمه وسيره، فإذا كان المتوكل على الله من هذه صفته، فالله حسبه حافظا له ممن يحاول ظلمه، أو ينتقم منه إن رأى ذلك أنفع له، فهو يبلغ مراده في الوقت الذي قدره، إذ كان قد جعل لكل شيء حينا يقع عنده، لا يتعجل قبله ولا يتباطأ بعده وأما قوله بعد ذكر عدة الحامل: {وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مِنْ أَمْرِهِ يُسْراً} أي: من لزم التقى سهل الله عليه الصعب من أمره، كما يجعل أمر الولادة سهلا إذا قامت الأم عن ولدها سرحا، ثم عقب حال الدنيا بذكر ما يفعله في الآخرة من تكفير سيئاته وإعظام أجره، فكل شرط من تقى الله عز وجلّ قرن إليه من الجزاء ما لاق بمكانه الذي ذكر فيه، والأخير لما كان مقدما على أحوال، احتاجت إلى غاية الترغيب، وإلى المبالغة في الترهيب، وعد عليه أفضل الجزاء، وهو ما يكون في الآخرة من النعماء، فتدبره تجده على ما ذكرت. انتهى انتهى. {درة التنزيل صـ 1283 - 1287}