وفي هذا أيضًا إعلام منه بأنه لا يحمل تجليه ولا كلامه ولا شيئًا من شأنه
أرض ولا سماء ولا كرسي ولا عرش لولا تأييده لها قصده بأمر من ذلك بأيده
ورحمته ورأفته، ألا ترى أنه أنزله على رسوله، ثم على المؤمنين من عباده، فيعطي
كلاً منه ما شاء برحمته، وينزل من كلامه ما شاء على من شاء كيف شاء برحمته،
ويقسم لهم من فهمه بقدر احتمالهم لذلك، وقد يحجب عنهم نور كتابه بجهلهم،
وأما الكافرون والمكذبون فلم يردهم به، فإذن حمل للمؤمنين بالقرآن من آياته
وشواهد بيناته؛ إذ لأسمائه خواص، ولكلامه عظمة، لا يحمل ذلك إلا من أيده الله
ولقد صعق قوم لأجله وغشي على قوم ومات آخرون؛ وإنما ذلك لزيادة
الكشف على الحظ الذي أوتي من التأييد، ألا ترى أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أعظم الناس
حظًّا من القرآن ومعرفة عظمة المتكلم، وأجزلهم نصيبًا من العلم بالأسماء مع
مباشرة الإنزال وقصده إياه بالتنزيل عليه، فإذا ما احتمله إلا لعظيم حظه المقسوم له
من التأييد، فاحتمال العباد لعظمة القرآن من أعظم الآيات وأبين الدلالات على
إمساكه السماوات والأرض أن تزولا.
قوله تعالى: (هُوَ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ ...(22) . إلى آخر السورة منتظم
بقوله: (اعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يُحْيِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الْآيَاتِ)
كما قوله: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنْظُرْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ لِغَدٍ)
إلى ما بعدها بقوله:(أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَمَا نَزَلَ مِنَ
الْحَقِّ)المعنى إلى آخره، وقد تقدم في"شرح الأسماء"حسب
الاستطاعة فأغنى ذلك عن التكرار.
واعلم أنه أول العلم وأرفعه وأسه الذي انبنى عليه سواه وإليه ينتهي، والطريق
إليه هو أن تنعرف أن الأسماء المروية التي هي التسعة والتسعون هي الأمهات، ثم
تعتقد أن كل اسم حسن في عرفان العقول وصفه عليًا فهو الأحق بها والأولى، ثم
يجب عليك أن تنظر لكل اسم معنى كلمته باستقراء مجاري حروفه في اللغة لتعرف