المستقيم.
وبقي الوزير معهم وبذل الملك لهم الأموال، وأمر لهم ببناء منازل يسكنوها؛
وكتب كتابًا عنوانه: من تُبَّع الملك إلى محمد رسول الله، يا محمد يا رسول الله، إني
آمنت بك وبما تجيء به من عند ربك، فإن أدركتُكَ فنعمة من الله، وإن لم أدركك
فقد دفعت كتابي هذا إلى من يبلغه إليك، فاشفع لي عند ربك فإنني آمنت بك قبل
مجيئك، ثم دفع ذلك الكتاب إلى الوزير وأمرهم بالمحافظة عليه والتبليغ عنه، فذكر
أن ذلك قد كان، وذكر أن دار أبي أيوب الأنصاريَ مما اختطه تُبَّع، وأن أبا أيوب من
ولد ذلك العالم الناصح، فالله أعلم أكان ذلك أم لا، وذكر أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لما
عرض عليه الكتاب قال:"مرحبًا بالأخ الصالح".
قوله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنْظُرْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ لِغَدٍ ...(18)
هذه الآية تأمر بمحاسبة النفوس، وإنما المحاسبة فيما مضى فمن
آداب المؤتمِر لها أن يحاسب نفسه بكرة على ما مضى لها في ليلها وفي عشيه على
ما مضى لها في نهارها، والأكياس يضيفون إلى ذلك المحاسبة في كل ساعة، وعند
كل نفس وطرفة.
أتبع ذلك قوله الحق: (إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ) ذكر التقوى في
صدر الآية تحذير من المناهي وإهمال النفوس وإمراحها، وفي آخرها توصية
بالطاعات والإخلاص له.
قوله تعالى: (لَا يَسْتَوِي أَصْحَابُ النَّارِ وَأَصْحَابُ الْجَنَّةِ)
تذكير ووعظ، وقرأ أبو السماك:"لا يستوي أصحاب النار ولا أصحاب الجنة".
قوله تعالى:(لَوْ أَنْزَلْنَا هَذَا الْقُرْآنَ عَلَى جَبَلٍ لَرَأَيْتَهُ خَاشِعًا مُتَصَدِّعًا مِنْ
خَشْيَةِ اللَّهِ)أخبر - جلَّ جلالُه - أن هذا القرآن الذي يأتي بعد هذه الآية لو أنزله
على جبل لتصدع من خشيته، ويخشع لعظمة كلام ربه، وذكر أسمائه وصفاته،
ونظيره هذه في سورة الرعد، وفي هذا إعلام بأن للجمادات خشوع وخشية وتعظيم
يظهر الله ذلك منها لعباده ما شاء لمن شاء، وقد تجلى للجبل فصار دكَّا من جلاله،
وهو العظيم المهيب المهول، وهو الرحيم العطوف الودود الحنان المنان.