قلت: أشار إلى أن من كان الله حبيبه، فمروءته أن يحب ما أحبه الله، ويبغض ما أبغضه الله، ولا يبغض ما أحب الله، ولا يحب ما أبغضه الله.
وفيه معنى آخر: وهو أن من له صديق يعلم منه الصداقة والديانة والمحبة والصيانة، فليس من المروءة أن يصادق عدو صديقه.
وروى الدينوري عن الأحنف بن قيس رحمه الله تعالى: أنّه سئل عن المروءة، فقال: العفة والحرفة.
قال المغيرة: المروءة العفة عما حرم الله، والحرفة فيما أحله.
وعليه يحمل كلام الأحنف.
ويروى عن الأحنف أيضًا أنّه قال: المروءة صدق اللسان، ومواساة الإخوان، وذكر الله في كلّ مكان.
وروى السلمي في"طبقاته"عن عمرو بن عثمان المكي رحمه الله تعالى قال: المروءة: التغافل عن زلل الإخوان.
وروى الخطيب عن أنس رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم:"مِنَ الْمُرُوءَةِ أَنْ يُنْصِتَ الرَّجُلُ لأَخِيهِ إِذا حَدَّثَهُ، وَمِنْ حُسْنِ الْمُواساةِ أَنْ يَقِفَ الرَّجُلُ لأَخِيهِ إِذا انْقَطَعَ شِسْعُ نَعْلِهِ".
قلت: وكذلك إذا كان معه في سفر أو طريق، ووقعت دابته، أو عرض له أمر يقف معه ويساعده.
وروى الدينوري عن الأصمعي، عن أبيه قال: قال الأحنف بن قيس رحمه الله تعالى: جنِّبوا مجالسنا ذكر النِّساء والطعام؛ فإني أبغض الرَّجل أن يكون وصَّافا لفرجه وبطنه، وإن من المروءة والديانة أن يترك الرَّجل الطّعام وهو يشتهيه.
ومن أجمع ما قيل في المروءة ما حكي عن العتَّابي أنّه قيل له: ما المروءة؟
قال: ترك اللَّذَّة.
قيل له: فما اللَّذَّة؟
قال: ترك المروءة.
وبيانه: أن المرء مهما استرسل فيما يستلذه لقضاء شهوته نقص بقدرها من نخوته، لأنّ الاسترسال في الشهوات يرق رداء الحياء، ويربي القِحة، وبذلك تذهب المروءة.
ومن هنا قيل:"إِذا لَمْ تَسْتَحْيِ فَاصْنَعْ ما شِئْتَ"، وهو"مِمَّا أَدْرَكَ النَّاسُ مِنْ كَلامِ النُّبُوَّةِ الأُولَى"كما في الحديث.
وروى ابن عساكر عن الزّهريُّ رحمه الله تعالى قال: ما طلب النَّاس شيئًا خيرًا من المروءة، ومن المروءة: ترك صحبة من لا خير
فيه، ولا يستفاد منه عقل؛ فتركُه خير من كلامه.