على أن من يقول بإباحة تعاطي ما يخل بالمروءة لا يسعه أن يقول: إنّه غير مكروه، ولا خلاف الأولى، وهما داخلان في قسم المنهي عنه، على أن النّبيّ - صلى الله عليه وسلم - نهى عن التشبه بمرتكبهما، وذلك فيما رواه الإمام أحمد، والشيخان، والنسائي، وابن ماجه عن عبد الله بن عمرو رضي الله تعالى عنهما قال: قال لي رسول الله - صلى الله عليه وسلم:"يا عبد الله! لا تَكُنْ مِثْلَ فُلانِ؛ كانَ يَقُومُ اللَّيْلَ فَتَرَكَ قِيامَ اللَّيْلِ".
وذكر الغزالي في"الإحياء": أن المباح يصير بالمواظبة عليه صغيرةً؛ كالشطرنج، والترنم بالغناء على الدوام.
وأراد بالمباح بعض أقسامه، وهو المكروه وخلاف الأولى بدليل التمثيل، ولأن من المباح ما لا يتأتى فيه ما ذكر قطعًا كالأكل، والنكاح.
فإذًا لتشبه بالفساق يحصل بأحد ثلاثة أمور:
الأول: ارتكاب كبيرة.
الثّاني: الإصرار على صغيرة، أو غلبة الصغائر.
الثّالث: الإخلال بالمروءة إذا اتخذه ديدنًا أو عادة، وهو داخل فيما قبله على أحد الأقوال.
فتعين أن نشير إلى الكبائر، والصغائر، وما يخل بالمروءة، وذلك في ثلاثة فصول.
الفَصْلُ الأوَّلُ
اختلف العلماء في تقسيم الذنوب إلى كبائر وصغائر، فقال بعضهم: لا صغيرة، والذنوب كلها كبائر من حيث النظر إلى عظمة من يعصى بها، ويخالف أمره.
روى أبو نعيم بسند ضعيف، عن عمرو بن العاص رضي الله تعالى عنه قال: سمعت النبي - صلى الله عليه وسلم - يقول:"لا تَنْظُرُوا إِلَى صَغِيرِ الذُّنُوبِ، وَلَكِنِ انْظُرُوا إِلَى مَنِ اجْتَرَأْتُمْ".
قال أبو نعيم: وهو مشهور من قول بلال بن سعد.
والأصح أن من الذنوب كبائر، ومنها صغائر.
الكبائر: لا يكفرها إِلَّا التوبة، وبعض الطاعات المخصوصة كالهجرة، والحج.
والصغائر: تكفرها الطاعات، واجتناب الكبائر.
قال الله تعالى: {إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَنُدْخِلْكُمْ مُدْخَلًا كَرِيمًا} [سورة النساء: 31] .
وقال تعالى: {الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ} [سورة هود: 114] .