بل وضع الظّاهر موضع المضمر، ووصفهم بالظلم إشارة إلى تعليل ذمهم بالظلم، وهو موالاة الفاسق مع عداوته، وليس ذلك تركيبًا للعلّة، بل الفاسق لا ينبغي أن يوالى مع فسقه ولو كان صديقًا، فكيف يوالى وهو عدو؟
وروى ابن مردويه عن كثير بن عطية، عن رجل، عن النّبيّ - صلى الله عليه وسلم: أنّه قال:"اللَّهُمَّ لا تَجْعَلْ لِفاجرٍ وَلا فاسِقٍ عِنْدِيَ يَدًا وَلا نِعْمَةً، فَيَوَدَّهُ قَلْبِي".
سأل ربه - عَزَّ وَجَلَّ - أن يجنبه نعمة الفاسق لئلا تؤدي به إلى أن يكون له في قلبه ميل إليه ومودة له؛ إذ القلوب مجبولة على حب من أحسن إليها كما تقدّم في أول الكتاب، ثمّ الحب والمودة قد تؤدي إلى التشبه بالمودود.
وقال سفيان الثّوريّ رحمه الله تعالى: إنِّي لألقى الرَّجل أبغضه، فيقول لي: كيف أصبحت؟ فيلين له قلبي، فكيف ممّن أكل ثريدهم ووطئ بساطهم؟ رواه أبو نعيم.
فيتعين على العبد تجنب الفاسقين، والتباعد عنهم بقدر الإمكان، وقد قال عمر رضي الله تعالى عنه: ولا تصحب الفاجر فتتعلم من فجوره.
ثمّ الفسق في اللُّغة: الخروج عن الشيء.
وحقيقته في الشّرع كما قال القاضي أبو الحسن الماوردي: فيمن يكون مسخوط الدِّين والطريقة لخروجه عن الاعتدال، ولذلك كانت العدالة مقابلة للفسق، والعَدْل مَنْ كان مرضي الدِّين والمروءة.
ويتحقق فسق العبد بارتكابه لكبيرة، أو إصراره على صغيرة، أو غلبة الصغائر عليه.
وهل الإخلال بالمروءة يخل بالعدالة أم لا يخل بها ولكنه يخل بقبول الشّهادة؟
قولان، وبالثّاني جزم القرطبي، والنووي في كتب الفقه.
وبالأول أخذ الأصوليون، وغيرهم، وهو الّذي جزم به القرطبي في"تفسيره".
وعليه: فالإخلال داخل في مسمى الفسق.
وقد اختلف أصحابنا في تعاطي ما يخل بالمروءة، هل يحرم أم لا؟ على ثلاثة أوجه، ثالثها: يحرم أن تحمل شهادته.
ولما كان كتابنا هذا موضوعه على التنزه من الرذائل كلها، ناسب أن ندخل في الفسق الإخلال بالمروءة ليكون ذلك داخلًا في النّهي عن
التشبه بالفساق، وليكون الكتاب جامعًا للنهي عن كلّ ما ليس مستحسنًا في الشّرع.