وروى الإمام أحمد، والنسائي، والطبراني، والبيهقي عن حذيفة - رضي الله عنه -، عن النّبيّ - صلى الله عليه وسلم - قال:"اقْرَؤُوا الْقُرْآنَ بلُحُونِ العَرَبِ وَأَصْواتِها، وَإِيَّاكُمْ وَلُحُونَ أَهْلِ الْكِتابَيْنِ، وَأَهْلِ الْفِسْقِ؛ فَإِنَّهُ سَيَجِيْءُ بَعْدِيَ قَومٌ يُرَجِّعُونَ بِالْقُرآنِ تَرْجِيعَ الْغِناءِ وَالرَّهْبانِيَّةِ وَالنَّوْحِ، لا يُجاوِزُ حَناجِرَهُمْ، مَفْتُونةٌ قُلُوبُهُمْ وَقُلُوبُ مَنْ يُعْجِبُهُمْ شَأْنهمْ".
هذا الحديث يدلُّ على النّهي عن التشبه بأهل الفسق في ظاهر أعمالهم - وإن لم يكن المتشبه بهم على مثل قلوبهم - فإن التشبه بهم في بعض الأعمال قد يفضي بالمتشبه إلى التشبه بهم في التوغل في
الفسق، ونسيان عظمة الله تعالى عند المعصية، فإذًا التشبه بهم منهي على كلّ حال.
وقال الله تعالى: {وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ} [سورة المائدة: 108] .
فالمتشبه بالفاسق متعرض لحرمان الهداية من الله تعالى، وأي مصيبة وراء هذه المصيبة؟ {وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ كَانَ مِنَ الْجِنِّ فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ أَفَتَتَّخِذُونَهُ وَذُرِّيَّتَهُ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِي وَهُمْ لَكُمْ عَدُوٌّ بِئْسَ لِلظَّالِمِينَ بَدَلًا} [سورة الكهف: 50] .
قوله: {فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ} [سورة الكهف: 50] ؛ أي: خرج عنه فلم يمتثل أمره، ولم يطعه فيه، فالشيطان أول من فسق، وكل فاسق فالشيطان إمامه وقدوته.
وقال قطرب: في الكلام حذف، والتقدير: ففسق عن رد] أمر ربه؛ أي: بسبب رده أمر الله تعالى.
{أَفَتَتَّخِذُونَهُ وَذُرِّيَّتَهُ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِي} [سورة الكهف: 50] ، بعد أن علمتم بفسقه وفسق ذريته، والحال أنّهم أعداء لكم؟ فإذا كان الذم واقفًا على موالاة الفاسق فكيف بمتابعته في الفسق، وتشبهه به فيه؟
وقوله تعالى: {بِئْسَ لِلظَّالِمِينَ بَدَلًا} [سورة الكهف: 50] ، لم يقل: لهم،