فالطريق للاستفادة مما ضرب الله من الأمثال، لا يحتاج إلّا إلى العلم والتفكر والتذكر، ولو صدقت نية العبد في البحث عن سعادته في الدنيا والآخرة؛ لبذل الجهد فالتزم بما في كتاب ربه، واهتدى بهدي رسوله -صلى الله عليه وسلم.
وأمثال القرآن كثيرة يضربها الحق -تبارك وتعالى- لتحقق أهدافها في تثبيت الإيمان والدعوة إليه، والترغيب في الآخرة والعمل الصالح، والترهيب من حب الدنيا وما يصير إليه حال من ركن إليها وارتضى بها، إلى غير ذلك مما تراه في القرآن الكريم.
أمثلة ضربها الله في القرآن في للكافرين، والمشركين، والمنافقين
وهذه أمثلة لما نقول من القرآن الكريم: يقول الله تعالى في المنافقين: {مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَارًا فَلَمَّا أَضَاءَتْ مَا حَوْلَهُ ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ وَتَرَكَهُمْ فِي ظُلُمَاتٍ لَا يُبْصِرُونَ * صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لَا يَرْجِعُونَ * أَوْ كَصَيِّبٍ مِنَ السَّمَاءِ فِيهِ ظُلُمَاتٌ وَرَعْدٌ وَبَرْقٌ يَجْعَلُونَ أَصَابِعَهُمْ فِي آذَانِهِمْ مِنَ الصَّوَاعِقِ حَذَرَ الْمَوْتِ وَاللَّهُ مُحِيطٌ بِالْكَافِرِينَ * يَكَادُ الْبَرْقُ يَخْطَفُ أَبْصَارَهُمْ كُلَّمَا أَضَاءَ لَهُمْ مَشَوْا فِيهِ وَإِذَا أَظْلَمَ عَلَيْهِمْ قَامُوا وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَذَهَبَ بِسَمْعِهِمْ وَأَبْصَارِهِمْ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} (البقرة: 17 - 20) .
فقد ضرب الله مثلين لصنفين من المنافقين:
الصنف الأول: لقوم آمنوا ثم كفروا ثم آمنوا ثم كفروا ثم ازدادوا كفرًا، والصنف الثاني: قوم مترددون، يظهر لهم الحق تارة فيطمئنون إليه، وتهجم عليهم الشكوك فينقلبون خاسرين، ولو أن الله ساق الحديث عن المنافقين هكذا، فبين أنهم صنفان؛ صنف آمن ثم كفر، وصنف شاك حائر لا يستقر على رأي
ولا يثبت على فكر، ولا يستريح قلبه للحق، لما كان له من الأثر ما نراه حين ضَرَب لكلٍّ منهما مثلًا، فكان المثل الأول كما ترى للصنف الأول: الذي آمن ثم كفر؛ إذ شبه حاله بحال الذي استوقد نارًا -أي: أوقدها- بعد بحث عنها وطلب لها، فلمّا أضاءت ما حوله ذهب الله بنورهم وتركهم في ظلمات لا يبصرون.