قوله: (وأنه إذا قبض عن الحرب ترك كما جاء في الْحَديث) أي كف عنها. ترك أي
لم يؤاخذ كما جاء في الْحَديث وهو قوله عَلَيْهِ السَّلَامُ"إن اللَّه حكم فيمن بغى من هذه الأمة"
أن لا يجور عَلَى جريحها، ولا يقتل أسيرها، ولا يطلب هاربها، ولا يقسم [فيؤها] "كما رواه"
الحاكم وغيره. وفي الكَشَّاف تفصيل.
قوله: (فإنه [فيء] إلَى أمر الله) أي الترك فيء إلَى أمر الله تَعَالَى، وفي نسخة فاء ماضيًا
فحِينَئِذٍ الضَّمير في فإنه للشأن ومن فاء إلَى أمر الله وحكمه سلم من التعدي كما هُوَ مقتضى
حتى في (حتى تفيء إلَى أمر الله) فإن مفهوم الغاية معتبر بالاتفاق.
قوله: (وأنه يجب معاونة من بغى عليه بعد تقديم النصح والسعي في المصالحة) أي
يجب عَلَى الْمُسْلمينَ أن يقاتلوا فئة البغي إلَى أن تتوب وتكف فإن فعلت أصلح بَيْنَهُمَا وبين
البغي عليها بالعدل، ولما بين الله تَعَالَى حكم الطائفتين اقتتلا جَميعًا بأن الواجب في ذلك أن
يمشي بَيْنَهُمَا بما يصلح ذات البين ويثمر المكافة والموادعة حاول بيان حكم بغي إحدى
الطائفتين عَلَى الأخرى لأنه إذا وجب النصح والدعاء للحكم الإلهي عند وجود البغي من
الطائفتين جَميعًا فعند وجوده من [إحْدَاهُمَا] أولى لأنه أرجى لظهور أثره فيثبت هذا بدلالة
النص أشار المصنف بقوله يجب إلَى أن الأمر في (فَأَصْلِحُوا) للوجوب.
قَوْلُه تَعَالَى: (إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ(10)
قوله: (من حيث إنهم منتسبون إلى أصل واحد وهو الإِيمان الموجب للحياة الأبدية)
حيث للتعليل وبيان علاقة المشابهة. أي وإنَّمَا اسْتُعيرَ الأخ للْمُؤْمنينَ لأنهم منتسبون إلَى
أصل واحد وهو الإيمان لأنه وحده موجب بسَبَب الوعد للحياة الأبدية وهي الفوز بالثواب
وجنة مفتحة لهم الأبواب كما أن الأخوة الحقيقية منتسبون إلَى أصل واحد موجب للحياة
الفانية وهو الأب ففي الاسْتعَارَة تشبيه للإيمان بالأب والبيان بالقصر للمُبَالَغَة، واخْتيرَ إنما
دون ما وإلا لأن الحكم مما من شأنه أن يعلمه المخاطب.
قوله: (وهو تعليل وتقرير للأمر بالإصلاح، ولذلك كرره مرتبًا عليه بالفاء فقال
(فَأَصْلِحُوا) الآية) أي وهو بمنزلة التعليل وتقرير عطف تفسير له وجه
التقرير هُوَ أن الإخوة تقتضي الإصلاح والمودة.
* * * * * * * * * * [حَاشِيَةُ ابْنِ التَّمْجِيدِ] * * * * * * * * * *
لَهُمْ تَأْوِيلٌ، أَوْ لَمْ يُنَصِّبُوا إِمَامًا فَلَا يُتَعَرَّضُ لَهُمْ إِنْ لم ينصبوا قتالا أو لم يَتَعَرَّضُوا لِلْمُسْلِمِينَ، فَإِنْ فَعَلُوا
فَهُمْ كقطاع الطريق. وروى أن عليا سَمِعَ رَجُلًا يَقُولُ فِي نَاحِيَةِ الْمَسْجِدِ: لَا حُكْمَ إِلَّا لِلَّهِ،
فَقَالَ عَلِيٌّ: كَلِمَةُ حَقٍّ أُرِيدَ بِهَا بَاطِلٌ، لَكُمْ عَلَيْنَا ثَلَاثٌ لَا نَمْنَعُكُمْ مَسَاجِدَ اللَّهِ أَنْ تَذْكُرُوا فِيهَا اسْمَ اللَّهِ،
وَلَا نَمْنَعُكُمُ الْفَيْءَ مَا دَامَتْ أَيْدِيكُمْ مع أيدينا، ولا نبدأكم بقتال].
قوله: وهو تعليل وتقرير للأمر بالإصلاح. معنى التعليل مُسْتَفَاد من ورود الْجُمْلَة عَلَى طريق
الاسْتئْنَاف جوابًا للسؤال من علة الأمر بالإصلاح أي أصلحوا بَيْنَهُمَا لأن المؤمنين إخوة. ومعنى
التقرير مُسْتَفَاد من معنى الإخوة يقتضي التعطف الموجب للإصلاح ولذلك كرر الأمر بالإصلاح