فهرس الكتاب
⚠️ تم عرض جزء فقط من الفهرس حول الصفحة الحالية لتسريع التحميل.

⚠️ تم عرض جزء فقط من الفهرس حول الصفحة الحالية لتسريع التحميل.
الصفحة 399193 من 466147

لذلك الحق سبحانه يخاطب ابن آدم:"يا ابن آدم، خلقتُكَ للعبادة فلا تلعب، وقسمتُ لك رزقك فلا تتعب - ولا يعني هنا تعب الجوارح إنما تعب الفكر والهَمّ وشغل البال - فإنْ رضيتَ بما قسمتُه لك أرحْتُ قلبك وبدنك وكنتَ عندِي محموداً، وإنْ أنت لم تقنع بما قسمتُه لك فوعزتي وجلالي لأسلطنَّ عليك الدنيا تركض فيها ركْضَ الوحش في البرية، ثم لا ينالك منها إلا ما قسمتُه لك وكنتَ عندي مذموماً. يا ابن آدم خلقتُ السماوات والأرض ولم أَعْىَ بخلقهن أيُعييني رغيفٌ أسوقه إليك، يا ابن آدم لا تطلب مني رزق غَدٍ كما لا أطالبك بعمل غد، يا ابن آدم أنا لك مُحِبٌّ فبحقي عليك كُنْ لي مُحباً".

وحين يرضى الفقير بما قسمه الله له، ولم يتطلع إلى أعلى من مستواه يقول الله له: رضيتَ بقدري، فالآن أعطيك على قَدْري. لذلك تجد كل عظماء العالم وقادته بدأوا حياتهم في فاقة وفقر مدقع وقد حدثونا عن تاريخ بعض هؤلاء، وكيف أنهم جاءوا من قاع المجتمع.

ولما تتأمل مسألة تضييق الرزق على بعض الخَلْق تجد له حكمة اجتماعية، هذا التفاوت يؤدي إلى نوع من التكامل بين عناصر المجتمع، وتصور لو أن المجتمع كله أغنياء مبسوط لهم الرزقَ، مَنْ سيقوم على خدمتهم؟

مَنْ يصنع لهم ويزرع ويقضي المصالح الأدنى؟ إذن: لا بدَّ من وجود طبقة الفقراء لتقوم بهذا الدور، لا عن تفضُّل إنما عن حاجة يحتاج العامل أجره فيعمل، ويحتاج الخادم أجره فيخدم ويمسح ويكنس، فالحاجة والمنفعة هي التي تربط عناصر المجتمع.

ومن العجيب أنك ترى الآن رجال الأعمال وأصحاب المصالح يشتكون من العمال، يقول لك العامل ما دام معه فلوس وجيبه (مليان) لا يعمل إلى أن ينتهي ما معه من نقود فيعود إلى العمل، وهكذا ..

وأذكر من نوادر أستاذنا الشيخ موسى شريف رحمه الله أنْ كان يقول ذات مرة: اللهم ارزق العلماء واغْنهم وافقر الصنّاع، فلما سألناه قال: لأن العالم إنْ لم يكنْ غنياً ربما أذلته فتوى، أما الصانع أو العامل فإنه لا يعمل إلا إذا كان محتاجاً للمال.

وسبق أنْ قلنا: إن الإنسان منا إذا اجتهد في عمله وأخلص له مدة عشر سنين يعيش مرتاحاً باقي عمره، وإنِ اجتهد عشرين سنة ارتاح وأراح أولاده من بعده، وإنِ اجتهد ثلاثين سنة أراح أحفاده، إذن: على قَدْر العمل يكون العطاء.

ثم ينبغي أن نظل على ذكر لتقلُّب الأحوال، والحق سبحانه يقول:

{وَتِلْكَ الأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ ..}

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت